والقصة الثانية لامرأة من غامد -حي من جهينة- جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت"يا رسول الله طهرني"فقال"ويحك إرجعي فاستغفري الله وتوبي إليه". فقالت"تريد أن تُردّدني كما رددت ماعز بن مالك، إنها حبلى من الزنا"فقال:"أنت؟ قالت"نعم"، ولما كانت حبلى من الزنا، فما أطال النبي صلى الله عليه وسلم استجوابها كما أطال استجواب ماعز، بل قال لها"اذهبي حتى تلدي"فلما ولدت قال:"اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه"فلما فطمته أتته بالصبي وفي يده كسرة خبز، فقالت:"يا نبي الله الله قد فطمته وقد أكل الطعام"، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها."
وقد جاء ذكر الإقرار أربع مرات في هاتين الحادثتين صراحة، وفي سنن أبي داود عن بريدة الأسلمي"كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نتحدث أن الغامدية وماعز بن مالك لو رجعا بعد اعترافهما، لم يطلبهما، وإنما رجمهما بعد الرابعة". غير أن الحادثة الثالثة -وقد ذكرناها آنفًا تحت رقم 15 - ، قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم لرجل من أسلم"أغدُ يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها"وبه استدل فريق من الفقهاء على أن الإقرار مرة واحدة يكفي.
21 -حكم سؤال الزاني عن المرأة التي زنى بها وبالعكس: والحوادث الثلاث التي قدمنا ذكرناها آنفًا، يثبت بها أن الجانب إذا أقرّ بجنايته، لا يُسأل عن المرأة التي زنى بها ولا المرأة عن الرجل الذي زنت به، لأن الحد حينئذ يضرب على اثنين، وليست الشريعة بقلقة لضرب الحدود على أكثر عدد ممكن من الناس، غير أن الجاني إذا دل بنفسه على فريقه الثاني فأقر، أقيم الحد على الاثنين. وأما إذا أبى فلا يقام الحد إلا على الجاني المقرّ. والفقهاء بينهم الخلاف في ما هل يضرب عليه حد الزنا أم حد القذف؟ فعند مالك والشافعي عليه حد الزنا فقط لأنه ما أقرّ إلا بجريمة الزنا، وعند أبي حنيفة والأوزاعي عليه حد القذف لأن الفريق الثاني إذا لم يقر بالجريمة، فقد أدخل الريب في ارتكابه جريمة الزنا، وجريمة القذف ثابتة عليه ولا بد من حدها. ويقول محمد رحمه الله -ويؤيده قول من الشافعي رحمه الله- أن عليه حد الزنا والقذف، لأنه مقر بالزنا بنفسه ولم يثبت اتهامه للمرأة، فقضية كهذه رفعت مرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روي في مسند أحمد وسنن أبي داود عن سهل بن سعد"أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إنه قد زنى بامرأة سماها، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم اإلى المرأة فدعاها فسألها عما قال فأنكرت فحدّه -أي أقام الحد عليه- وتركها"وهذه الرواية لا صراحة فيها بالحد الذي أُقيم عليه. وفي الرواية التي رويت عن هذه القضية في سنن أبي داود والنسائي عن ابن عباس"أن رجلًا من بكر بن ليث أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأقر أنه زنى بامرأة أربع مرات فجلده مائة وكان بكرًا. ثم سأله البينة على المرأة فقالت كذب يا رسول الله، فجلده حد الفرية ثمانين"وهذه الرواية في إسنادها الضعف لأن أحد رواتها وهو قاسم بن فياض لا اعتبار لروايته عند المحدثين والقياس يخالفها لأنه لا يكاد يتوقع من النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يكون سأل المرأة إلا بعد ما أقام الحد على الرجل. والذي يقتضيه العقل والعدل الصريح ولا يكاد يُتصوّر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم صرف عنه نظره إذا كان الرجل قد سمى المرأة، أن لا يقضي في أمره قبل أن تُسأل المرأة. وهذا الذي تؤيده رواية سهل بن سعد المذكورة، فلا اعتبار للرواية الثانية.
22 -آراء الفقهاء في حد الزنا قبل الإحصان وبعده: بماذا يعاقب الزاني والزانية إذا ثبتت جريمتهما؟ هذا مما فيه الخلاف بين الفقهاء، فإليك ما لمختلف الفقهاء في هذا الباب من المذاهب:
حد الزنا للرجل والمرأة إذا كانا محصنين: هو"مائة جلدة والرجم بعدها"عند أحمد وداود الظاهري وإسحاق بن راهويه و"الرجم"فقط عند سائر الفقهاء حيث لا يجمع بين الرجم والجلد عندهم.
حد الزنا قبل الإحصان: هو"مائة جلدة ونفي عام للرجل والمرأة"عند الشافعي وأحمد وإسحاق وداود الظاهري وسفيان الثوري وابن أبي ليلى والحسن بن صالح، و"مائة جلدة ونفي عام للرجل ومائة جلدة ولا غير للمرأة"عند مالك والأوزاعي [1] . ويقول أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر إن حد الزنا قبل
(1) المراد بالنفي عند هؤلاء جميعًا أن ينفى الرجل من البلدة التي يسكنها إلى مسافة يجب فيها قصر الصلاة على الأقل، إلا أن زيد بن علي وجعفرالصادق يقولان بأن الغرض المقصود من النفي يحصل بالحبس أيضًا.