الصفحة 52 من 150

"هل رأيت كالميل في المكحلة؟"قال"لا"قال"فهل تعرف المرأة"قال"لا، ولكن أشبهها"قال له تنح"فأمر بالثلاثة فاجلدوا الحد وقرأ (فَإِذْ لَمْ يَاتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) ."

وإنك لترى في هذه القصة أن القرائن بنفسها تدل على استحالة أن يوجد في عهد عمر عامل من عماله يأتي نهارًا بامرأة أجنبية للزنا في بيته الذي تسكنه معه زوجته. وقد ثبت أن امرأة المغيرة كانت مشابهة لأم جميل واعترف أبو بكرة ومن معه أنهم رأوها مستدبرين. فما كان ظن أبي بكرة ومن معه بالمغيرة إلا ظنًا فاسدًا، ولذا لم يقتصر عمر على إطلاق سراح المتهم فحسب، بل أقام الحد كذلك على أبي بكرة وشبل ونافع. وإنما كان مبنى هذا القضاء على ما كان لهذه القصة من الظروف المخصوصة ولم يكن مبناه على الكلية القائلة بأن الجريمة إذا لم تثبت بشهادة الشهود، يجب أن يقام عليهم حد القذف.

20 -حكم إقرار الزاني كدليل على وقوع الزنا: والوجه الثاني الذي تثبت به جناية الزنا بعد شهادة الشهداء هو إقرار الجاني بجنايته. ومن اللازم أن يكون هذا الإقرار بكلمات صريحة بارتكاب فعله الزنا، أي على الجاني أن يقر بأنه قد زنى بامرأة محرمة عليه كالميل في المكحلة، وعلى المحكمة أن تكون على ثقة بأن الجانب إنما يقر بجنايته بنفسه أي بدون أي ضغط خارجي وليس به شيء من الجنون أو الاختلال في العقل. وههنا خلاف يسير بين الفقهاء، فيقول أبو حنيفة وأحمد بن حنبل وابن أبي يعلى وإسحاق بن راهويه رحمهم الله أن على الجاني أن يقر بجنايته أربع مرات بأربع مجالس ويقول مالك والشافعي وعثمان البتي والحسن البصري رحمهم الله أنه يكفي أن يقر الجاني بجنايته مرة واحدة.

وإذا كانت ثمة قضية لم يقض فيها إلا بمجرد إقرار الجاني بدون ثبوت آخر ثم رجع الجاني عن إقراره -ولو رجوعه بالفعل كهروبه- في أثناء إقامة الحد عليه، يجب أن يمسك عن إقامة الحد عليه ولو كانت القرائن تدل دلالة واضحة على أن ليس السبب في رجوعه عن إقراره إلا إتقاء ألم الحد. ومصدر هذا القانون تلك الشواهد التي توجد في الأحاديث عن حوادث الزنا. وأكبر وأشهر هذه الحوادث حادثة ماعز بن مالك الأسلمي، التي قد نقلها عدد كبير من الرواة عن عدد كبير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت