حديث آخر رواه الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال"ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة. فبناء على هذه القاعدة إن وجود الحمل وإن كان أساسًا قويًا للشبهة، ولكنه ليس على كل حال دليلًا قاطعًا على وقوع الزنا، لأنه من الممكن -ولو بدرجة في مائة ألف درجة- أن يدخل في رحم المرأة جزء من نطفة رجل بغير الجماع فتحمل منه، فينبغي أن يكون حتى إمكان مثل هذه الشبهة الخفيفة كافيًا في العفو عن المتهمة."
19 -حكم عقوبة الشهداء إذا ظهر الخلاف في شهاداتهم: وهناك خلاف أيضًا بين الفقهاء في إذا ما ظهر الاختلاف في الشهود أو لم تثبت الجريمة بشهادتهم بسبب آخر، فهل يعاقبون عقوبة الشهادة الكاذبة أم لا؟ تقول طائفة من الفقهاء إنهم يعتبرون قاذفين يقام عليهم حد القذف وهو ثمانون جلدة. وتقول طافة أخرى منهم أن لا حد عليهم لأنهم إنما جاؤوا شاهدين وما جاؤوا قاذفين، وأنه إذا ذهبت المحكمة تعاقب الشهود على هذا الوجه فمن ذا ترونه يتجرأ على الشهادة وهو لا يأمن بحال عدم موافقة الشهود الآخرين على شهادته. والرأي الثاني هو الأصح الأقرب إلى العقل عندنا، لأنه كما يجب أن تفيد الشبهة المتهم يجب أن تفيد الشهود كذلك. وإذا كان الضعف في شهادتهم لا يكفي في إقامة حد الزنا على المتهم، كذلك ينبغي أن لا يكون كافيًا في إقامة حد القذف على الشهود، اللهم إلا أن يثبت كذبهم صراحة.
وهناك دليلان يؤيدان الرأي الأول: أحدهما أن القرآن يجعل الشهادة الكاذبة بالزنا -قذفًا- مستوجبة للحد، فالجواب أن القرآن نفسه يفرق بين الشاهد والقاذف، حيث يقول: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء) فالقاذف في هذه الآية غير الشهداء، فلا يجوز أن يكون حكمهما سواء بمجرد أن المحكمة ما وجدت شهادة الشاهد كافية في إثبات الجريمة على المتهم، والدليل الآخر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقام على أبي بكرة وشاهدين معه حد القذف لما شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا ولم يثبتوه. والجواب عن هذا الدليل أننا إذا نظرنا في تفاصيل قصة المغيرة بن شعبة وأبي بكرة من أولها إلى آخرها، وجدنا أنها لا تنطبق على كل قضية لا تكون شهادة الشهود فيها كافية في إثبات الجريمة على المتهم. فإليك بنص هذه القصة كما جاءت في كتاب أحكام القرآن لابن العربي رحمه الله:
قال أبو جعفر: كان المغيرة بن شعبة يناغي أبا بكرة وينافره وكانا بالبصرة متجاورين بينهما طريق في مشربتين [1] متقابلتين في داريهما في كل واحدة منهما كوة تقابل الأخرى فاجتمع إلى أبي بكرة نفرة يتحدثون في مشربته، فهبت ريح ففتحت باب الكوة فقام أبو بكرة ليصفقه [2] ، فبصر بالمغيرة وقد فتحت الريح باب الكوة في مشربته وهو بين رجلي امرأة قد توسطها، فقال للنفر"قوموا فانظروا ثم إشهدوا"فقاموا فنظروا فقالوا:"ومن هذه؟"فقال"هذه أم جميل بنت الأرقم"وكانت أم جميل غاشية للمغيرة والأمراء والأشراف [3] وكان بعض الناس يفعل ذلك في زمانها. فلما خرج المغيرة إلى الصلاة، حال أبو بكرة بينه وبين الصلاة، فقال"لا تصل بنا"، فكتبوا إلى عمر بذلك، فبعث عمر إلى أبي موسى واستعمله ... ثم خرج أبو موسى حتى أناخ بالبصرة، وبلغ المغيرة إقباله، فقال والله ما جاء أبو موسى زائرًا ولا تاجرًا ولكنه جاء أميرًا، ثم دخل عليه أبو موسى فدفع إلى المغيرة كتاب عمر رضي الله عنه .. وارتحل المغيرة وأبو بكرة ونافع بن كلدة وزياد وشبل بن معبد حتى قدموا على عمر. فجمع بينهم وبين المغيرة فقال المغيرة لعمر"يا أمير المؤمنين سل هؤلاء الأعبد كيف رأوني مستقبلهم أو مستدبرهم وكيف رأوا المرأة؟ وهل عرفوها؟ فإن كانوا مستقبلي فكيف لم أستتر أو مستدبري فبأي شيء إستحلوا النظر إلى امرأتي؟ والله ما أتيت إلا زوجتي وكانت تشبهها". فبدأ بأبي بكرة فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل وهو يدخله كالميل في المكحلة. قال"وكيف رأيتهما؟"قال"مستدبرهما"قال"وكيف إستُثبَتّ رأسها؟ [4] "قال"تحامت حتى رأيتها"، ثم دعا بشبل بن معبد، فشهد بمثل ذلك، وشهد نافع شهادة أبي بكرة، ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم، ولكنه قال"رأيته جالسًا بين رجلي إمرأة فرأيت قدمين مخضوبتين يخفقان واستين مكشوفين وسمعت حفزانًا شديدًا"قال
(1) المشربة: الغرفة التي يشربون فيها.
(2) صفق الباب: ردّه.
(3) أي تتردد إليهم كثيرًا.
(4) أي تبينته.