والشافعي والحسن بن صالح رحمهم الله أن الرجل إذا أكره على الزنا، لا يقام عليه الحد، ويقول زفر رحمه الله يقام، لأنه لا يمكن أن يأتي الرجل بفعلة الزنا إلا بالانتشار والانتشار دليل على الشهوة التي حملته على إتيانها. ويقول أبو حنيفة رحمه الله: إن أكرهه سلطان أي حكومة أو حاكم من حكامها لا يقام عليه الحد، لأن الحكومة إذا كانت هي نفسها تكره الناس على ارتكاب الزنا، فمن ذا يبقى له الحق في إقامة الحدود عليهم، وإذا أكرهه غير سلطان أي أحد غير الحكومة وحاكم من حكامها، يقام عليه الحد، لأنه لا يمكن أن يرتكب الزنا بدون شهوة ولا يمكن أن يجد في نفسه الشهوة بالإكراه. فالقول الأول من هذه الأقوال الثلاثة هو الأصح عندنا لأن الانتشار وإن كان دليلًا على الشهوة، ولكنه ليس بدليل قاطع على الطوع والرضا. ولنفرض أن ظالمًا يحبس رجلًا مع امرأة شابة جميلة عارية ولا يتركه حتى يزني بها. ثم إذا ارتكبا الزنا في مثل هذه الحال يأتي عليهما بأربعة شهداء ويقدمهما إلى المحكمة، فهل من العدل أن تقيم المحكمة الحد على الرجل بدون نظر في عذره؟ ومن الممكن عقلًا وعادة حوادث توجد فيها الشهوة بدون أن يكون لطوع الرجل ورغبته أي دخل في وجودها، وذلك كمثل رجل حُبس ولم يؤت للشرب شيئًا غير الخمر، فإذا شربها المسكين، فهل تعاقبه المحكمة لأنه ما كان من الممكن أن يتجرع الخمر إلا بإرادته وقصده وإن كانت حالته حالة الاضطرار والإكراه؟ الحق إن مجرد وجود الإرادة لا يكفي في تحقق الجريمة، بل لا بد من الحرية مع الإرادة. فمن وقع في حالة يضطر فيها إلى إرادة الجريمة فهو غير مجرم قطعًا في بعض الأحيان وجريمته خفيفة في بعضها.
12 -من يؤاخذ الناس على ارتكاب الزنا ويقيم عليهم حده في الدولة الإسلامية؟ إن القانون الإسلامي لا يجيز أحدًا غير الحكومة أن يؤاخذ الزاني والزانية ولا يجيز أحدًا غير المحكمة أن يقيم عليها الحد. فقد اجتمعت فقهاء الأمة على أن ليس الخطاب في قوله تعالى (فاجلدوا) في الآية موضوع البحث لعامة الناس وآحادهم، وإنما هو لحكام الدولة الإسلامية وقضاتها. غير أن هناك خلافًا حول كون سيد العبد مجازًا لإقامة الحد على عبده، فالذي عليه اتفاق أئمة المذهب الحنفي أنه غير مجاز لذلك، وتقول الشافعية أنه مجاز، وتقول المالكية أنه