ثالثها: أن لا يكون الجاني قد عقد زواجه فحسب، بل يكون قد تمتع بالدخول على زوجته بعد زواجه ويكفي الإيلاج ولا يشترط الإنزال. إن مجرد عقد النكاح لا يجعل المرء محصنًا ولا المرأة محصنة حتى يقام عليهما حد الرجم إذا ارتكبا الزنا. وهذا الشرط أيضًا قد اتفق عليه أكثر الفقهاء، وقد أضاف إليه أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله أن يكون الزوجان عند الدخول حرين بالغين عاقلين، والفرق الذي يحصل بهذا أن الرجل إذا كان عقد زواجه مع امرأة كانت أمة أو مجنونة أو غير بالغة، لا يقام عليها حد الرجم ولو كان قد تمتع بها بالدخول الصحيح. وكذلك إن المرأة إذا كان عقد زواجها مع رجل كان رقيقًا أو مجنونًا أو غير بالغ، لا يقام عليها حد الجرم ولو كانت تمتعت به بالدخول الصحيح. وهذا الشرط الذي أضافه هذان الإمامان ببعد نظرهما إذا تأملنا فيه، وجدناه في غاية من العدل والمعقولية.
والشرط الرابع: أن يكون الجاني مسلمًا، وفيه الخلاف بين الفقهاء: يقول الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو يوسف رحمهم الله أن كل من ارتكب الزنا بعد الزواج، فإنه يرجم مسلمًا كان أو غير مسلم، ولكن أبا حنيفة ومالكًا رحمهما الله متفقان على أن الرجم إنما هو للمسلم إذا ارتكب الزنا بعد زواجه. وأقوى الدلائل على ذلك أنه لا بد لإقامة عقوبة شديدة كالرجم على أحد، أن يكون في الإحصان الكامل ثم لا يرتدع عن الزنا. ومعنى الإحصان الكامل الإحصان الخلقي وهو بثلاثة أسوار:
أولها أن يكون الإنسان مؤمنًا بالله معتقدًا بالمسؤولية الأخروية متبعًا للشريعة الإلهية، وثانيها أن يكون فردًا حرًا في المجتمع ولا يكون في ملك أحد حيث تحول قيوده بينه وبين قضاء شهوته بالطرق المشروعة وتحمله على ارتكاب الزنا مضطرًا ولا تكون ثمة أسرة تساعده على حفظ عرضه وأخلاقه، وثالثها أن يكون قد عقد زواجه وكان متمكنًا من كبح جماع نفسه وقضاء شهوتها بطريق مشروع. فهذه هي الأسوار الثلاثة التي بدونها لا يتكمل الإحصان، ولا يستحق الرجم إلا من يكون قد تعدى هذه الأسوار الثلاثة لقضاء شهوة نفسه، فما دام المرء غير محصن بالسور الأول وهو أهم الأسوار وأعظمها شأنًا، أي ما لم يكن في قلبه الإيمان بالله واليوم الآخر والتقيد بالشريعة الإسلامية، فليس إحصانه كاملًا، وليست جريمته في