فهاتان الآيتان معًا تشيران إلى أن حكم حد الزنا في سورة النور وهو الذي كان الوعد جاء به في سورة النساء، إنما يبين حد الزاني والزانية غير المتزوجين.
7 -السنة فيها البيان لحد الزنا بعد الإحصان: أما ما هو الحد للزنا بعد الإحصان بالزواج، فهذا أمر لا نعرفه من القرآن بل نعرفه من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم. فقد ثبت بغير واحدة ولا اثنتين من الروايات الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم ما اقتصر على بيان حد ازلنا للمتزوجين والمتزوجات بأقواله فحسب، بل قد أقام هذا الحد فعلًا في غير واحدة من الأقضية المرفوعة إليه وهو الرجم. ثم أقامه بعد خلفاؤه الراشدون رضي الله عنهم في عهودهم وأعلنوا مرارًا أن الرجم هو الحد -أي العقوبة القانونية- للزنا بعد الإحصان؛ والرجم باعتباره حدًا للزنا بعد الإحصان، ما زال أمرًا مجمعًا عليه بين الصحابة والتابعين، حيث لا نكاد نجد لأحد منهم قولًا يدل على أنه كان في القرن الأول رجل له الشك في كون الرجم من الأحكام الشرعية الثابتة. ثم ظلت فقهاء الإسلام في كل عصر وفي كل مصر مجمعين على كونه سنة ثابتة بأدلة متضافرة قوية لا مجال لأحد من أهل العلم أن يشك في صحتها، ولم يخالف الجمهور في هذه القضية إلا الخوارج وبعض المعتزلة، على أنه ما كان الأساس لمخالفتهم أن يكونوا قد شخّصوا ضعفًا في ثبوت حكم الرجم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما قالوا إن الرجم باعتباره حدًا للزاني المحصن مخالف للقرآن، والحقيقة أن ليس ذلك إلا لخطأ فهمهم للقرآن. قالوا إن القرآن يبين مائة جلدة حدًا عامًا لكل زان وزانية، فليس تخصيص"الزاني المحصن"من هذا الحكم العام إلا مخالفة للقرآن. ولكنهم ما تنبهوا إلى أن الوزن القانوني الذي هو لألفاظ القرآن، هو نفسه لشرحها الذي يبينه النبي صلى الله عليه وسلم بشرط ثبوته عنه صلى الله عليه وسلم. ألا ترى أن القرآن قد جاء بمثل هذه الألفاظ المطلقة عندما بين حد السارق والسارقة فقال (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ونحن إذا لم نجعل هذا الحكم مقيدًا بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من شرحه، فمن عين ما يقتضيه عموم هذ الألفاظ أن نحكم بالسرقة على كل من سرق إبرة أو تفاحة -مثلًا- فتقطع يده بل يديه إلى منكبيه، وبالجانب الآخر كل من سرق ولو آلافًا من الجنيهات ثم تظاهر بالتوبة وإصلاح النفس، فعلينا أن نتركه ولا نمسه بسوء لأن القرآن يقول بعد بيانه حد السارق