فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا). ففي الآية الأولى إشارة واضحة إلى أن هذا الحكم مؤقّت وسيأتي الحمك النهائي لحد الزنا في المستقبل. وهذا الحكم هو الذي بعد سنتين ونصف من سور النور، وهو قد نسخ الحكم السابق وجعل الزنا جريمة قانونية مستلزمة لمؤاخذة الشرطة والمحكمة.
6 -حد الزنا في سورة النور إنما هو حد الزنا قبل الإحصان: وإن الحد الذي قد قرر في هذه الآية للزنا، إنما هو حد للزنا المطلق وليس بحد للزنا بعد الإحصان -أي ارتكاب الزنا بعد التزوج- الذي هو أشد وأغلظ من الزنا المحض في نظر القانون الإسلامي، والله تعالى نفسه يشير في سورة النساء إلى أنه لا يقرر في سورة النور هذا الحد إلا للزنا الذي يكون كل من مرتكبيه غير متزوج. فقد قال أولًا في سورة النساء: (وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) . ثم قال بعده بيسير: (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ... ، فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) .
فالآية الأولى تتضمن التوقع لحكم من الله سينزله في المستقبل لعقوبة الزانيات اللاتي يأمر الآن بإمساكهن في البيوت. ونعلم بذلك أن هذا الحكم الأخير الذي جاء في سورة النور، هو الحكم -أو السبيل- الذي كان وعد به الله سبحانه وتعالى في سورة النساء. وفي الآية الثانية جاء بيان حد الزانية من الإماء المتزوجات؛ ولما قد جاءت لفظة"المحصنات"في آية واحدة وسياق للكلام بعينه مرتين، فلا بد أن يكون معنى"المحصنات"واحدًا في الموضعين. فإذا نظرت الآن في بدء الجملة حيث قيل (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) ، علمت أن ليس المراد بالمحصنة في هذه الآية امرأة متزوجة، بل امرأة حرة غير متزوجة. وقيل في ختام الجملة أن الأمة إذا أتت بفاحشة -أي زنت- فعقوبتها نصف عقوبة المحصنة. والذي يدل عليه الكلام أن المراد بالمحصنة في هذه الجملة نفس المعنى المراد في الجملة السابقة أي"امرأة حرة غير متزوجة ولكن محصنة بعفافها وحفظ أسرتها".