الصفحة 39 من 150

الأحكام والتعليمات ما يحول دون شيوع الفاحشة في المجتمع، ويلغي مهنة البغاء وبيع العرض قانونيًا، ويضع لمن يرمي غيره بالزنا بدون بينة وينقل أخباره في المجتمع حدًا شديدًا، ويأمر الرجال والنساء معًا بالغض من أبصارهم. فكأن الإسلام هكذا يقيم الحارس القوي على الأنظار كيلا يتدرج الأمر من التلذذ بالنظر إلى الولوع بالجمال إلى الوقوع في الغرام، ويأمر النساء بأن يميزن بين المحارم وغير المحارم من الرجال في داخل بيوتهن، ولا يبرزن متزينات لغير المحارم منهم. ولا يصعب عليك بهذا كله تلك الخطة الإصلاحية التي ما جاء الإسلام بحد الزنا إلا كجزء منها. وليس هذا الحد إلا لأن يستأصل شأفة الخلعاء المستهترين الذين لا ينفكون يصرون على قضاء شهواتهم بطريق نجس على الرغم من هذه التدابير للإصلاح الخارجي والداخلي، وعلى الرغم مما يجدون أمامهم من الطرق المشروعة لقضاء شهواتهم، وأن يجري على الذين يجدون في نفوسهم مثل هذه الميول عملية الجراحة النفسية بقتل نفس منهم. وهذا الحد ليس بعقوبة لمجرم فحسب، بل هو إعلان في الوقت نفسه أن ليس المجتمع الإسلامي بمنتزه يسرح فيه الذواقون والذواقات متمتعين بحريتهم بدون خوف ولا تقيد بقاعدة من قواعد الشرف والأخلاق. والحقيقة أن الإنسان إذا أدرك خطة الإسلام في إصلاح المجتمع وتطهيره على هذا الوجه، فإنه لا يلبث أن يشعر بأن أي جزء من أجزاء هذه الخطة لا يمكن أن يزاح عن مكانه ولا أن يدخل عليه شيء من النقص أو الزيادة، وأنه لا يكاد يهم بإدخال التغيير فيه إلا من سفه نفسه وزعم أنه مصلح بدون أن تكون عند القدرة على فهمه، أو من كان يريد الفساد في الأرض وينوي تغيير الغاية التي لأجلها وضع الحكيم المطلق سبحانه وتعالى هذه الخطة كلها.

5 -التدرج الزمني في تقرير الزنا جريمة قانونية في آيات القرآن: إن الزنا، وإن كان قد قرر جريمة مستلزمة للعقوبة في سنة ثلاث، ولكنه ما كان إذ ذاك جريمة قانونية حيث يكون لشرطة الدولة ومحكمتها أن تؤاخذا عليها الناس، وإنما كان بمثابة جريمة اجتماعية أو عائلية لأهل الأسرة أن يعاقبوا من يأتيها منهم بأنفسهم، وهذا الحكم قد جاء بيانه في آيتين من آيات سورة النساء: (وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) ، (وَاللَّذَانَ يَاتِيَانِهَا مِنكُمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت