الصفحة 20 من 150

وأصحابه في منتهى النظام والتحمل، لظهرت في مجتمع المدينة المسلم الفتي حرب داخلية شديدة، وهذه الفتنة هي إفك [1] عبد الله بن أبي على عائشة الصديقة رضي الله عنها.

يقول ابن إسحاق وابن هشام: حدّث غير واحد من الرواة عن عائشة نفسها حين قال فيها أهل الإفك ما قالوا وكلٍّ قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعًا، يحدث بعضهم ما لم يحدّث صاحبه وكل كان عنها ثقة فكل حدّث عنها بما سمع: قالت رضي الله عنها:

"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه [2] ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فخرج سهمي عليهن معه، فخرج بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العُلَق [3] لم يهيّجهنّ اللحم [4] فيثقلن. وكنت إذا رحّل لي بعيري جلست في هودي، ثم يأتي القوم الذين يرحّلون لي ويحملونني، فيأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير فيشدّون بحباله، ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به. قالت: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك وجّه قافلًا -راجعًا- حتى إذا كان قريبًا من المدينة، نزل منزلًا فبات به بعض الليل، ثم أذّن في الناس بالرحيل، فارتحل الناس، وخرجت لبعض حاجتي وفي عنقي عقد لي فيه جزع ظفار [5] ، فلما فرغت إنسلّ من عنقي"

(1) الإفك: الكذب.

(2) وما كانت هذه القرعة في نوعها كاليانصيب، بل كانت كل واحدة من الأزواج تساوي غيرها في الحقوق، ولم يكن ثمة سبب لإيثار إحداهن على غيرها، فالنبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرًا، أقرع بين أزواجه، لأنه لو اختار منهم إحداهن بنفسه، لانكسرت به قلوب غيرها وسبب فيهن التحاسد والتباغض. فالشريعة الإسلامية ما أباحت ضرب القرعة إلا في أحوال يكون حق عدة أفراد فيها سويًا ولا يكون ثمة سبب معقول لإيثار أحدهم على غيره ولكن يتعذر أن يأخذ هذا الحق إلا واحد منهم.

(3) العلق: جمع علقة وهي ما فيه كفاية من الطعام إلى وقت الغذاء، تريد أن طعامهن كان قليلًا فهن نحيفات غير بدينات.

(4) التهييج: انتفاخ الجسم حتى يشبه الورم.

(5) الجزع: الخرز، وظفار: اسم مدينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت