عوف بن الخزرج على الماء، فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين، فغضب عبد الله بن أبي بن سلول وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم غلام حدث، فقال أوقد فعلوها؟ قد نافرونا -يعني مهاجري المسلمين من مكة- وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدّنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال الأول (سَمِّن كلبك يأكلك) ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم أقبل على من حوله من قومه من المدينة وقال لهم"هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم. فسمع ذلك زيد بن أرقم فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك عند فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه، وأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب فقال عمر: مر يا عباد بن بشر فليقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه؟ لا، ولكن أذّن بالرحيل وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها."
ثم مشى بالناس يومهم ذلك حتى أمسى وليلتهم حتى أصبح وصدر يومهم ذلك حتى آذنهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مسّ الأرض فوقعوا نياما [1] ، وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشتغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبي. وفي الطريق تحدث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيد بن حضير فقال: يا رسول الله، والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟"قال:"زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل". قال:"فأنت يا رسول الله، والله، تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز". ثم قال:"يا رسول الله، أرفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز [2] ليتوجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكًا". وما كادت تنطفئ جذوة هذه الفتنة، حتى أثار عبد الله بن أبي فتنة أخرى في تلك الرحلة نفسها، وكانت من خطورتها وشدتها بحيث لو لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) لم يلبثوا أن نزلوا إلى الأرض حتى أخذهم النوم.
(2) الخرز: العقد.