ثالثًا: الحرص على العربية وتعلمها ومخافة اللحن فيها:
كان سلف الأمة الأخيار، يرون أن اللحن في اللغة يحتم الاستغفار والإنكار! فلا يقرونه فيهم، بل يضربون عليه أبنائهم.
ذكر الإمام السيوطي رحمه الله: أن رجلًا لحنَ بحضرته صلى الله عليه وسلم فقال: (أرشدوا أخاكم فقد ضلّ) . وروي من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنا من قريش ونشأت في بني سعدٍ فأنَّى لي اللحن!) . وهذا أبو بكر الصديق يشدد النكير على نفسه إن أخطأ، وذلك حين يقول:"لأن أقرأ فأُسقط أحب إليّ من أن أقرأ فألحن".اهـ [انظر المزهر للسيوطي 2/ 199]
وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: والله لخطؤكم في لسانكم أشد عليَّ من خطئكم في رميكم. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (رحم الله امرءًا أصلح من لسانه) . [الأضداد لابن الأنباري ص242]
وروى الخطيب البغدادي أن عليًا وابن عباس وابن عمر -رضي الله عنهم- كانوا يضربون أبناءهم على اللحن. [1]
وروى أبو بكر الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء عن أبي العالية قال:"كان ابن عباس يعلمنا اللحن". قيل يعلمنا الصواب وقيل يعلمنا الخطأ لنجتنبه.
وعن الإمام الأوزاعي قال: أعربوا الحديث، فإن القوم كانوا عُرْبًا. اهـ [الجامع لابن عبد البر 1/ 292]
وقال عبد الملك بن مروان:"شيبني ارتقاء المنابر وتوقع اللحن".اهـ [البيان للجاحظ 2/ 161]
وقال مسلمة بن عبد الملك: اللحنُ في الكلام أقبحُ من الجُدري في الوجه. وقال عبد الملك: اللحن في الكلام أقبحُ من التفتيق في الثوب النفيس. اهـ [عيون الأخبار 2/ 173]
وعن سعيد قال: لحن أيوب السختياني عند قتادة، فقال: أستغفر الله. اهـ [حلية الأولياء 3/ 11]
وروى الخليلي في الإرشاد 1/ 302 عن العباس بن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: جاء عبد العزيز الدراوردي في جماعة إلى أبي ليعرضوا عليه كتابًا فقرأ لهم الدراوردي وكان رديء اللسان يلحن فقال أبي: ويحك يا دراوردي أنت كنت إلى إصلاح لسانك قبل النظر في هذا الشأن أحوج منك إلى غير ذلك. اهـ
وقال محمد بن الحسن: ترك أبي ثلاثين ألف درهم، فأنفقت خمسة عشر ألفًا على النحو والشعر، وخمسة عشر ألف على الحديث والفقه. اهـ [نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة 5/ 185]
وعن الإمام الشافعي قال: أَقمتُ في بُطونِ العَربِ عشرينَ سنةً آخذ أَشْعارهَا، ولغاتها. اهـ [مناقب الشافعي للبيهقي 2/ 42]
وعن مُصْعبِ بنِ عَبداللهِ الزُّبَيْريّ قالَ: كانَ الشّافِعيُّ في ابْتَداءِ أمرهِ يَطلب الشّعر، وأيّام النّاسِ، والأدبَ، ثُمّ أخذَ في الفقهِ بَعْد. اهـ [أخرجه البيهقي في مناقب الشافعي (ج1 ص96 و97) ]
وقال ثعلب: ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس نحوٍ أو لغةٍ خمسين سنة. اهـ [معالم في طريق طلب العلم ص56]
وقال أبو هلال العسكري: حكي لي عن بعض المشايخ أنه قال: رأيت في بعض قرى النَّبط فتى فصيح اللهجة حسن البيان، فسألته عن سبب فصاحته مع لُكنَةِ أهل جِلدته، فقال: كنت أَعمد في كل يوم إلى خمسين ورقة من كتب الجاحظ. فأرفع بها صوتي في قراءتها، فما مرَّ بي إلا زمان قصير حتى صرتُ إلى ما ترى. اهـ [الحث على طلب العلم ص72]
وقال الحر بن عبد الرحمن: طلبت إعراب القرآن خمسًا وأربعين سنة، أو أربعين سنة. اهـ [التاريخ الكبير 3/ 82]
وقال خلف بن هشام: أشكل عليَّ باب من النحو، فأنفقت فيه ثمانية آلاف درهم حتى حذَقته. اهـ [معرفة القراء الكبار 1/ 172، وفي سير أعلام النبلاء 1/ 578: ثمانية ألف درهم.]
(1) ورد عن جماعة من السلف أنهم كانوا يضربون أولادهم على اللحن. [انظر"الجامع"للخطيب 2/ 28]