الصفحة 4 من 27

من المعلوم أن اللغة العربية قوية في ذاتها قوة معنوية، وكانت في زمن الخلافة إضافة إلى قوتها المعنوية قوية قوة مادية .. فهذا الإمام ابن حزم الأندلسي رحمه الله يرى أن العربية استمدت قوتها من قوة الدولة الإسلامية، إذ اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط دولة أهلها ودخول غيرهم عليهم في أماكنهم، أو بنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم. فإنما يُقيد لغة الأمة وعلومها وأخبارها قوة دولتها ونشاط أهلها. وأما من تَلِفت دولتهم، وغلب عليهم عدوهم، واستقلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم فمضمون فيهم موت الخاطر. [الإحكام في أصول الأحكام 1/ 32]

فلما كان الحكم الإسلامي رائدًا، والقضاء بما أنزل الله سائدًا، انتشرت لغتنا في ربوع العالمين، وصدرناها إلى غيرنا من الأعجمين، حتى أصبح أهل أوروبا يتفاخرون بتعلم لغتنا، ويتباهون بالتكلم بها .. حتى ضاق الأمر على أربابهم، مما دعاهم إلى مناصحة شعوبهم؛ قال"ألفارو" ( Alvaro) في القرن التاسع الميلادي:"إن إخواني المسيحيين يدرسون كتب فقهاء المسلمين وفلاسفتهم لا لتفنيدها، بل لتعلم أسلوب عربي بليغ. وأسفاه إنني لا أجد اليوم علمانيًا يُقبل على قراءة الكتب الدينية أو حتى الإنجيل؛ بل إن الشباب المسيحي الذين يمتازون بمواهبهم الفائقة أصبحوا لا يعرفون علمًا ولا أدبًا ولا لغة إلا اللغة العربية، ذلك أنهم يقبلون على كتب العرب في نهم وشغف، ويجمعون منها مكتبات ضخمة تكلفهم الأموال الطائلة في الوقت الذي يحتقرون الكتب المسيحية وينبذونها ... لقد نسي المسيحيون حتى لغتهم، ولن تجد بين الألف منهم واحدًا يستطيع كتابة خطاب باللغة اللاتينية ..". [حضارة الإسلام لجرو ينباوم ص81 - 82، وأثر الحضارة العربية في أوروبا لزيغريد هونكه ص529]

ولقد دخل إلى اللغات الأوروبية أكثر من ألف كلمة عربية، كـ: الفندق = fondaco ، ديوان = douane ، دفتر = defetari ، رحبه = rahba ، حجام = cangemi ، كابل (سلك) = kabel ، صك = scheek ، تعرفة = tariffa ، الملح القلوي (بوتاس) = calslum ، فلوكه (قارب) = feluke ، قيثارة = gittare ، راحة اليد (مضرب الكرة) = rakete ، بازار = bazzariotu ، سكر = sucre ، حرارة = carara ، ترصيع = tarsia ، منزل الأمير = misilmeri ، المقنطرات = almuquantarat ، الكحول = al khohol ، عسكري = askari ، السيد = cid ، مسكين = mesquino ، طاسة = tasse ، خزانة = gasena ، خسارة = cassara ، علقمة = alcamo ، تربيع = trabia ، فوارة = favara ، السكة = zecca ، الرطل = rotola ، المعصرة = mazzara ، القصر = cassaro ، البطيخ = pastecca ، الخليج = galiggi ، المحتسب = almotacen ... إلخ [1]

وأما اليوم فقد تسلط على الأمة أراذلها، وساسها أعدائها، فلا تُستغرب عجمتها، ولا كثرة اللحن من أبنائها! حتى بلغ الحال فيها؛ أن حدثني بعض مشايخي أن شيخه العلامة نقيب أحمد جلس مستمعًا لخطبة أحد المشايخ العرب، فلما انتهى من خطبته، التفت الشيخ نقيب وقال لشيخي: هل هذا الخطيب أعجمي؟ قال شيخي: فظنناه قد اصطاد عليه لحنًا في اللغة، وقلنا له: بل هو عربي. فقال الشيخ نقيب: عجيب! عربي ولم يلحن!! فكأن الأصل في العربي -هذه الأيام- هو اللحن وليس الإعراب!

(1) انظر [العلاقات بين الشرق والغرب للدكتور سعيد عمران ص255] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت