دخل الشعبي على الحجاج فقال له: كم عطاءَك؟ قال: ألفين. قال: ويحكَ! كم عطاؤكَ؟ قال: ألفان. فقال: فلِمَ لحنتَ فيما لا يلحنُ فيه مِثلُكَ؟ قال: لحنَ الأميرُ فلحنتُ، وأعرب الأميرُ فأعربتُ، ولم أكن ليلحن الأمير فأعربَ أنا عليه، فأكونَ كالمقرّع له بلحنه، والمستطيل عليه بفضل القول قبله. فأعجبه ذلك منه، ووهبه مالًا. [العقد الفريد لابن عبد ربه 2/ 125]
وما هذا الواقع الذي نعيشه إلا مخطط مدروس من الأعداء، وقد بذلوا لتحقيقه الجهد والعناء .. قال نابليون لبعثته الوافدة إلى مصر: علموا الفرنسية، ففي ذلك خدمةٌ حقيقيةٌ للوطن. اهـ [اللغة العربية في التعليم العالي لالمبارك ص11]
وقد كانت أولى توصيات الحاكم الفرنسي لجيشه الزاحف إلى الجزائر: علّموا لغتنا وانشروها حتى تحكم الجزائر، فإذا حكمت لغتنا الجزائر فقد حكمناها حقيقة. اهـ [اللغة العربية في التعليم العالي لالمبارك ص11]
وقال اللورد ميكالي عن الهند: يجب أن ننشىء جماعة تكون ترجمانًا بيننا وبين ملايين من رعيتنا وستكون هذه الجماعة هندية في اللون والدم انجليزية في الذوق والرأي واللغة والتفكير. [نحو التربية الإسلامية الحرة، للندوى: ص 32]
وقال الصهيوني ليفي أشكول: إننا لن نسمح بوجود لغةٍ واحدةٍ وشعبٍ واحدٍ ودينٍ واحدٍ في الشرق الأوسط. اهـ [جريدة الأخبار المصرية، 15 يوليو، 1964م]
قال الأديب الألمعي الرافعي: ما ذلت لغة شعب إلا ذل، ولا انحطت إلا كان أمرها في ذهاب وإدبار، ومن هنا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضا على الأمة التي يستعمرها، ويركبهم بها، ويشعرهم عظمته فيها. اهـ [وحي القلم 2/ 33]
وقال أحمد بن محمد صديق الغماري في كتابه (الاختراعات العصرية .. ) : وعدم وجود الكاتب في الحي العظيم كاد يتحقق اليوم في المغرب وبعض الأقطار التي كانت تحت سيطرة الإستعمار؛ كالجزائر فإنه يوجد في كثير من الأحياء الكتاب باللغة الأجنبية ولا يوجد فيها الكتاب بالعربية لأن تعليمهم إنما كان في المدارس الإفرنجية التي لا تعلم إلا بلغتها وكتابتها بقصد القضاء على اللغة العربية التي هي أساس الإسلام. اهـ
فهذه جهود الأعداء اليوم قد آتت أكلها ضعفين، حتى كدنا أن نقول مثلما قاله"ألفارو" ( Alvaro) : ..."لقد نسي المسلمون حتى لغتهم، ولن تجد بين الألف منهم واحدًا يستطيع كتابة خطاب باللغة العربية ..".
ولقد كنت في صغري أجلس إلى النحوي أبي عبد الله عبد الرحمن الشيخ رحمه الله وقد كان معمرًا قد جاز المائة من عمره فأستفيد منه في اللغة والفقه [1] ، ومما حدثني به وقد أثار عجبه وغرابته أنه قال لي: تركي .. هل تصدق أنه جلس إليّ بعض الشباب فسألتهم عن مرحلتهم في الدراسة؟ فقالوا: نحن في الجامعة. فقلت لهم: أعربوا لي"بسم الله الرحمن الرحيم"؟ فلم يستطيعوا وقالوا: لا نعرف. فقلت لهم: أنتم تدرسون في الجامعة ولا تعرفون إعراب"بسم الله الرحمن الرحيم"؟! فقالوا: نحن نهتم باللغة الانجليزية أكثر!!!
(1) قيل عن الإمام الزهري أنه: كان يأتي إلى العجائز والأشياخ والصبيان وذوات الخدور، والصغير والكبير، فيسألهم ويباحثهم، حتى حوى علمًا عظيمًا. [بستان العارفين للنووي ص114]