أولًا: حديث: (من تعلم لغة قوم أمن مكرهم) :
لقد اشتهر عند كثير من الناس وعوامهم حديث:"من تعلم لغة قوم أمن مكرهم"، وعند التحقيق والتنقيح، نجده حديث موضوع ليس بصحيح.
قال الشيخ العلامة صالح بن إبراهيم البليهي رحمه الله: أما ما يتشدق به البعض رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من تعلم لغة قوم أمن مكرهم) فهو حديث باطل لا أصل له. اهـ [السلسبيل في معرفة الدليل 3/ 883]
وقال الشيخ المحدث مقبل بن هادي الوادعي في"المقترح": ومن الأمثلة على هذا: (من تعلّم لغة قوم أمن مكرهم) هذا الحديث بحث عنه الباحثون فلم يجدوا له أصلًا .. اهـ
وقال الشيخ العلامة عبد الكريم بن صالح الحميد فك الله أسره في جواب له عن هذه الشبهة: وأعظم حجة عندهم قولهم:"من تعلم لغة قوم أمن شرهم". بعضهم يجعل هذا حديثًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وبعضهم يحتج بذلك ليقنع منازعه، ولا يدري هل هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أم من كلام غيره، وهل هو صواب أم خطأ، فالمهم عنده دفع منازعه ولا هم عنده غير ذلك ...
أولًا: ليس هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) .
بل قد قال صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (من يحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالعجمية فإنه يورث النفاق) ذكره شيخ الإسلام في"اقتضاء الصراط المستقيم"، وذكر أيضًا حديث عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان يحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالفارسية فإنه يورث النفاق) . وحسبك بأمر يورث النفاق شرًا.
كذلك فقد نهى عمر رضي الله عنه عن رطانة الأعاجم، وقال أيضًا: ما تعلم الرجل الفارسية إلا خب، ولا خب رجل إلا نقصت مروءته.
وقد سمع محمد بن سعد بن أبي وقاص قومًا يتكلمون بالفارسية فقال: ما بال المجوسية بعد الحنيفية ...
ثانيًا: هؤلاء الذين تعلموا لغة الأعاجم هم الذين وقعوا في مكرهم، قال تعالى: (ألا في الفتنة سقطوا) فقد تعلموا علومهم، وتشربتها قلوبهم، وفيها من فساد الاعتقاد، ومِنْ جعل الدنيا هي الغاية، ومِنْ مدح الكفار ومودتهم، ومن الصور المحرمة، وغير ذلك من الباطل مما لا يخفى، فأين الأمان من مكرهم؟!
ثالثًا: هذا الكلام غير صحيح ولا يستقيم، فإن الأمان من مكر الناس ليس سببه معرفة لغتهم، فالناس يمكر بعضهم ببعض ولغتهم واحدة! كذلك فإن الأمان من المخاوف إنما هو بطاعة الله، والتوكل عليه، فهو سبحانه يحمي عبده المؤمن ويحفظه ممن كاده ومكر به، قال تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) فمحمد صلى الله عليه وسلم مكر به قومه ولم يمنع ذلك عند معرفته للغتهم، ولكن نفعه دفع الله عنه وحمايته له. اهـ [الوعيد على أهل الغلو والتشديد ص21 - 22]
وقال شيخنا الحافظ سليمان بن ناصر العلوان فك الله أسره في جواب له عن هذا الحديث: لا أعلم هذا حديثًا ولا أظن له أصلًا، وقد كره أهل العلم تعلم رطانة الأعاجم والمخاطبة بها بدون حاجة وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال (لا تعلموا رطانة الأعاجم) رواه عبد الرزاق في المصنف (1609) والبيهقي في السنن (9/ 234) .اهـ