ثانيًا: تعلم زيد بن ثابت رضي الله عنه للغة الأعاجم:
يدندن بعض الدعاة: بأن الصحابة تعلموا اللغات، مما يجعله يجتهد في ذلك أعوامًا، ورأس ماله هو تعلم زيد لبعض اللغات أيامًًا! [كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (5/ 186) وغيره بإسناد حسن] .
وجواب هذه الشبهة من وجوه:
1 -أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر زيدًا فقط بتعلم ذلك، ولم يأمر جميع الصحابة.
2 -أن زيد بن ثابت رضي الله عنه تعلم ذلك في وقت قصير (في خمس عشرة ليلة) ، ولم يقض عمره كله -أو أغلبه- في تعلم لغة الأعاجم.
3 -أن ذلك كان للضرورة والحاجة، وهي تقدر بقدرها؛ فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يأمن من يهود على الكتب.
4 -ليس كلامنا في"عتابنا"لمن يتعلم لغة الأعاجم لحاجة، بل هذا أمر لا بأس به، ولكن عتابنا لمن يقضِ عمره في المفضول عن الفاضل، أو يخاطب العرب بلغة الأعاجم؛ فزيد رضي الله عنه تعلم لغة الأعاجم في أيام معدودة، ولم يتخذها وسيلة لمخاطبة العرب الأقحاح.
قال الشيخ العلامة صالح بن إبراهيم البليهي رحمه الله: أما تعلم اللغة الأجنبية للحاجة الماسة. فيجوز لأن زيد بن ثابت رضي الله عنه تعلم اللغة السريانية بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم ليقرأ الكتب التي تصل إليه صلى الله عليه وسلم من ملوك زمانه وغيرهم. ويكتب زيد بن ثابت رضي الله عنه جوابها بلغتهم .. اهـ [السلسبيل في معرفة الدليل 3/ 883]
وقال الشيخ العلامة عبد الكريم بن صالح الحميد فك الله أسره في جواب له عن هذه الشبهة: نعم، أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود ليقرأ له ويكتب له ذلك، حيث لم يأمن من اليهود عليه، فهذه كما ترى ضرورة عظيمة في الدين، ثم إنه أمر واحدًا فقط، فهل يُجعل ذلك دليلًا لما أجمعت عليه الأمة اليوم إلا أقل الناس؟! [الوعيد على أهل الغلو والتشديد ص22]
قال شيخنا الحافظ سليمان بن ناصر العلوان -فك الله أسره-: وقد بُلي المسلمون في هذا العصر بالرطانة الأعجمية وأصبح تعلمُ بعض اللغات الأجنبية ضرورة ملحة في كثير من المهن والأعمال وهذا جائز لأهل الحاجات والمصالح ولا سيما مصالح المسلمين العامة.
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم اللغة السُّرْيانية (رواه أحمد(5/ 182 ) ) من طريق الأعمش عن ثابت بن عبيد عن زيد بن ثابت ورواه الترمذي (2715) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه زيد قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلَّم له كلمات من كتاب يهود قال: (إني والله ما آمن يهود على كتاب) قال: فما مرّ بي نصف شهر حتى تعلمته له قال: فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم). ورواه أحمد و أبو داود والحاكم وغيرهم وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، وخالفه غيره فتكلم في ابن أبي الزناد فقد ضعفه يحي بن معين وأحمد وجماعة ووثقه مالك وغيره ولا بأس به إذا لم يتفرد بالحديث وقد اعتبر بحديثه غير واحد والخبر محفوظ وقد علقه البخاري في صحيحه (95/ 7) جازمًا بصحته. وهو دليل على جواز تعلم اللغة الأجنبية للمصلحة والحاجة وهذا لا ينازع فيه أهل العلم. وأما تعلم هذه اللغة لغير حاجة وجعلها فرضًا في مناهج التعليم في أكثر المستويات فهذا دليل على الإعجاب بالغرب والتأثر بهم وهو مذموم شرعًا وأقبح منه إقرار مزاحمة اللغات الأجنبية للغة القرآن ولغة الإسلام.