أما تعلم العلوم الأخرى، كالرياضيات والفيزياء والطب والفلك والهندسة ونحوها من العلوم الدنيوية فالأصل فيه الإباحة وقد يكون مطلوبًا حسب حاجة المسلمين إليه في معاشهم وقد يصل إلى الواجبات إذا كان من وسائل جهاد الكفار ومما يدافع به المسلمون عن أنفسهم وأعراضهم وديارهم وأموالهم.
أما الظن بأن كل ما وصل إليه الكفار من علوم فإن على المسلمين تعلمه والبراعة فيه فهذا ظن خاطئ إذ الواجب على المرء أن يجعل الآخرة همه لا الدنيا ومتاعها وعلومها.
ولا فرق بين أن تذهب الأعمار وتهدر الأوقات في طلب المال والتجارات وبين هدرها في تتبع دقائق العلوم الدنيوية والحذق فيها.
ومعلوم أن الكفار لا هم لهم إلا الحياة الدنيا وزينتها ومتاعها وقد صرفوا كل أوقاتهم وأيامهم من أجل عمارتها وتحسين معيشتهم فيها فكان حريًا إذًا أن يبرعوا في كل شأن من شئونها ويبرزوا في كل علم من علومها.
وليس هذا خاصًا بالكفار في هذه العصور المتأخرة كما قد يظن ذلك بعض المفتونين بالمدنية المعاصرة بل لم يزل ذلك ديدن الأمم الكافرة عبر القرون.
ألم يكن في قوم إبراهيم وقوم عاد وثمود وأصحاب مدين وسبأ وغيرهم من الأمم الغابرة حضارات دنيوية وعلوم متقدمة سبقوا فيها غيرهم ممن عاصرهم من الأمم بل فاقوا بها بعض من جاء بعدهم كالعرب الذين بعث فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم.
فماذا أغنت عنهم علومهم وحضاراتهم؟
قال الله تعالى على لسان نبيه صالح عليه السلام: {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورًا وتنحتون الجبال بيوتًا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين} [الأعراف/74] .
وقال: {لقد كان لسبأ في مسكنهم آية} [سبأ/15] .
وقال: {أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات} [الروم/9] .
والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وقد أثبت الله تعالى للأولين علومًا لكنها لم تنفعهم ولم تغن عنهم شيئًا لما أعرضوا عن علم الوحي والعمل به.
قال الله تعالى: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون} [غافر/83 - 85] .
فأثبت لهم الله عز وجل علمًا لكنه لم ينفعهم حين كفروا بالله وكذبوا الرسول.
وقال تعالى: {وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} [الروم/6 - 7] .
فنفى عنهم العلم النافع المتلقى من الوحي الصادق وأثبت لهم العلم الدنيوي.
قال القرطبي في تفسيره [14/ 7] : {يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا} يعني: أمر معاشهم ودنياهم متى يزرعون ومتى يحصدون وكيف يغرسون وكيف يبنون.
قال الحسن: بلغ والله من علم أحدهم بالدنيا أنه ينقد الدرهم فيخبرك بوزنه ولا يحسن أن يصلي.
وقال ابن خالويه: ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا. {وهم عن الآخرة} أي عن العلم بها والعمل لها {هم غافلون} انتهى باختصار.