وهناك مجال كاف في القانون الإسلامي للتخفيف من شدة الأحكام حسب الأحوال والمقتضيات، فمن قواعد الفقه مثلًا أن الضرورات تبيح المحظورات وأن المشقة تجلب التيسير، وقد أشير إلى هذه القاعدة في عدة مواضع من القرآن الكريم والأحاديث النبوية، قال تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) وقال عز وجل (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وقال تباركت أسماؤه: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أحب الدين إلى الله تعالى الحنيفية السمحة". وقال عليه الصلاة والسلام:"لا ضرر ولا ضرار في الإسلام".
فالإسلام من المسلم به فيه أن يخفف من أحكامه حيث يكون الضرر والمشقة، ولكن لا معنى لذلك أن يضرب بأحكام الشريعة وحدودها عرض الحائط عند كل ضرورة ولو كان منشؤوها الوهم والوهن في العزيمة، بل لذلك عدة أصول ومبادئ من السهل فهمها بالتأمل في تخفيفات الشريعة:
1 -يجب أن يلاحظ قبل كل شيء مبلغ المشقة، فإن كل مشقة بالإطلاق لا يجوز أن يرفع بها التكليف الشرعي، وإلا فإن القانون لا يبقى إلا كلعبة في أيدي الناس. فمشقة الوضوء في الشتاء، ومشقة الصوم في الصيف ومشقة الحج والجهاد مثلًا، فلا شك أنها داخلة في تعريف المشقة، إلا أنها ليست بمشقات تسقط لأجلها التكاليف الشرعية، بل لا بد للتخفيف أو الإسقاط من مشقة توجب ضرر أو تسببه كمشقة السفر أو حالة المرض أو خوف العدو وإكراه الظالم أو الفقر المدقع أو الآفة غير العادية أو البلاء العام أو النقص في الجسد. فالشريعة قد خففت في كثير من أحكامها في مثل هذه الأمور المخصوصة، فمن الممكن أن يقاس عليها غيرها.
2 -يجب ألا يكون التخفيف إلا على قدر المشقة والاضطرار، فمن كان قادرًا على الصلاة جالسًا لا يجوز له أن يصلي مضطجعًا، ومن كان يكفي له أن يفطر عشرة أيام في شهر رمضان لأجل المرض، لا يجوز له أن يفطر الشهر كله، ومن كان يمكنه أن يمسك رمق حياته بجرعة أو جرعتين من الخمر، أو أكلة أو أكلتين من لحم الخنزير مثلًا، لا يجوز له أن يأكل أو يشرب أكثر على ضرورته الحقيقية، وكذلك إن الطبيب لا يجوز له أن يرى من جسد المرأة أكثر مما لا بد من رؤيته لغرض العلاج. فعلى هذه القاعدة يجب أن يعين مقدار كل تخفيف حسب مقدار المشقة والضرورة.
3 -لا يجوز أن يتخذ لدفع ضرر ما، تدبير فيه من الضرر مثله أو أكثر منه، وإنما يجوز أن يتخذ لهذا الغرض تدبير فيه من الضرر ما هو أخف منه. والقاعدة الأخرى بهذا الشأن أنه لا يجوز الوقوع في مفسدة شديدة اتقاء لمفسدة هي أخف منها أو مثلها، غير أنه من الجائز إذا وقع الإنسان بين مفسدتين أن يختار أهونهما لدفع أشدهما.
4 -إن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح، فدفع المفاسد واجتناب المحرمات ومحو السيئات له في نظر الشريعة من الأهمية ما ليس لجلب المصالح وأداء الواجبات وإقامة الحسنات، فلأجل هذا إن التسامح والتخفيف الذي قد تأتي به الشريعة في الأمور المأمور بها عند المشقة، لا تأتي بمثله في الأمور المنهي عنها، فالتخفيف الذي يوجد في الشريعة في الصلاة والصوم وغيرهما من الواجبات في السفر والمرض مثلًا، لا يوجد في استعمال الأشياء المحرمة والنجسة.