أما إذا اتبعنا الطريق الذي قد اخترعه اليوم أصحابنا المتجددون لتدوين أحكام الإسلام. فلا يكون هذا التدوين في حقيقة أمره إلا تخريبًا للشريعة الإسلامية وتشويهًا لوجهها ومسخًا لمبادئها، ولا يكون معناه إلا أن نرتد في حياتنا الاقتصادية عن الإسلام، لأن الطريق الذي يرشدنا إليه هؤلاء المتجددون، مناف لطريق الإسلام في غاياته ونظرياته ومبادئه. إنهم لا يقصدون إلا كسب المال حلالًا أو حرامًا مع أن الإسلام يقصد أكل الحلال قبل كل شيء. وإن الغاية المنشودة في أعينهم أن يصبح المرء مالكًا للملايين ومئات الملايين بصرف النظر عما إن كان يكسب هذا المال بالطريق المشروعة أو غير المشروعة. وأما الإسلام فيريد ألا يكسب المرء شيئًا إلا بالطريق المشروعة وبدون أن يهضم فيه حقوق غيره، سواء أيصبح بكل ذلك مالكًا للملايين أم لا يصبح. يظنون أن السعيد الموفق هو من واتاه المال ووضع يده على أكثر ما قدر عليه من الوسائل الاقتصادية وامتلك بها ناصية العز والشرف والرفاه والقوة والنفوذ والسلطة ولو بأي لون من ألوان الأثرة والظلم والكذب والغش والشقاوة، مهما أهدر في سبيلها من حقوق غيره من أهل البشر ولو كان لم يأل جهدًا في إشاعة الشر والفساد والانحلال الخلقي والفحشاء في الدنيا وجر النوع البشري إلى ميادين الهلاك المادي المعنوي. أما السعيد الموفق في نظر الإسلام فهو من سعى لكسب معاشه ملتزمًا الصدق والأمانة والعفاف والمحافظة على حقوق غيره ومصالحهم. فإن أصبح يمثل هذا السعي الطاهر النزيه مالكًا للملايين، فهو نعمة عليه من الله تعالى وشكران منه لسعيه. ولكنه إذا لم يجد طول حياته إلا قدر ما يمسك به رمق حياته من المأكل، وقدر ما يستر به جسده من الملبس وقدر ما يأوي إليه من المسكن، فإنه لا يُخفق في سعيه كذلك. فهذا الاختلاف في وجهة نظر هؤلاء القوم عن وجهة نظر الإسلام هو الذي يقضي بهم إلى طريق يخالف طريق الإسلام ويتفق مع طريق الرأسمالية الخالصة. أما السهولات والرخص والحيل التي هم في حاجة إليها لسلوك طريقهم الجديد، فلا يكادون يجدونها في الإسلام البتة. فليشوهوا الإسلام ما استطاعوا ويقلبوا أحكامه ومبادئه ويوسعوا فيها حسب أهوائهم، فأنى لهم أن يجدوا منها قاعدة أو منهجًا للعمل يفضي بهم إلى غايتهم التي يتمنون بلوغها. الحق أن الذي يريد سلوك هذا الطريق، عليه أولًا أن يمسك يده عن مخادعة الناس ومخادعة نفسه باسم الإسلام، وليكن منه ذكر أنه إن كان يريد طرق الرأسمالية، فلا بد له من اتباع المبادئ والأحكام المالية والاقتصادية الجارية اليوم في أميركا وأوربة الغربية بدلًا من أحكام الإسلام ومبادئه. أما الذين هم مسلمون ويريدون أن يبقوا على إسلامهم ويؤمنون بالقرآن والسنة المحمدية ولا يبغون عنهما بديلا في حياتهم العملية، فإنهم لا يحتاجون إلى ضابطة جديدة للأحكام ليتمكنوا بها من الاستفادة من مؤسسات النظام الرأسمالي أو ليخرجوا لأنفسهم في الشريعة الإسلامية رخصًا تجعلهم تجارًا يملكون الملايين أو أصحابًا للمعامل والمصانع الكبيرة، لا يحتاجون إلى ضابطة جديدة للأحكام لهذا الغرض في حقيقة الأمر، وإنما يحتاجون إليها ليتمكنوا من إفراغ حياتهم حسب مبادئ الإسلام الصحيحة الخالصة في الزمن الحاضر وأوضاعه الاقتصادية والمالية والتجارية الجديدة، وليستطيعوا تجنّب الطرق غير المرضية عند الله تعالى في بيوعهم وتجاراتهم والاستفادة من الرخص التي يمكن إخراجها في ضمن دائرة الشريعة الإسلامية إذا ما عرضت لهم المشكلات والاضطرارات الحقيقية عند المعاملات مع الأمم الأجنبية. لا شك أن التدوين الجديد للقانون الإسلامي ضرورة لا مناص منها لهذا الغرض، ومن واجب علماء الإسلام أن يبذلوا جهودهم لقضاء هذه الحاجة وتحقيق هذا الغرض.