إن مادة كلمة"الربا"الواردة في القرآن الكريم هي"رب"حيث اعتبر فيها معنى الزيادة والنمو والارتفاع والعلو. يقال: ربا المال إذا زاد ونما. وربا فلان الرابية إذا علاها. وربا فلان السويق إذا صب عليه المال وانفتح. وربا الولد في حجر فلان إذا نشأ عنده. وأربى فلان الشيء إذا زاده وأنماه. والرابية والربوة: المرتفع من الأرض. وحيثما وردت مشتقات هذه المادة في القرآن فإنها تشتمل على معنى من معاني النمو والعلو. قال تعالى: (فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) [1] أي تحركت بالنبات وانفتحت. وقال تعالى: (يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) [2] أي يضاعفها ويبارك فيها. وقال تعالى: (فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا) [3] أي طافيًا فوق سطحه. وقال تعالى: (فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً) [4] أي شديدة زائدة في الشدة. وقال تعالى: (أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ) [5] أي أزيد عددًا وأوفر مالًا وقال تعالى: (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ) [6] أي أرض مرتفعة.
فمن هذه المادة نفسها كلمة"الربا"والمراد بها زيادة المال ونموه عن رأس المال. والقرآن قد صرح بهذا المعنى بقوله: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [7] (وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ) [8] وبقوله: (وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ) [9] .
والذي يظهر من هذه الآيات أن كل زيادة تحصل على رأس المال، يقال لها"ربا"إلا أن القرآن لا يحرم كل زيادة من حيث هي فإن الزيادة تحصل في التجارة أيضًا، بل الزيادة التي ورد تحريمها في القرآن هي من نوع خاص وهو يسميها"الربا"وبهذا الاسم الاصطلاحي كانت هذه الصورة الخاصة من التعامل تُعرف قبل الإسلام، ولكن ما كانت العرب إذ ذاك تفرق بين البيع والربا وكانت تحسبها من نوع واحد كما عليه الحال في زماننا الحاضر. فجاء الإسلام وبين للناس أن الزيادة التي تحصل على رأس المال بالبيع مختلفة عن التي تحصل على رأس المال بالربا، وأن الأولى مشروعة والثانية غير مشروعة: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) [10] .
(1) الحج: 5.
(2) البقرة: 276.
(3) الرعد: 17.
(4) الحاقة: 10.
(5) النحل: 92.
(6) المؤمنون: 50.
(7) البقرة: 278.
(8) البقرة: 279.
(9) الروم: 39.
(10) البقرة: 275.