الصفحة 58 من 72

ولا تتولّوه في سِلم ولا حَرب فإنَّ مصلحتَه في السِّلم قبل مصالحكم، وغنيمَته في الحرب هي أوطانُكم. ولا تعاهِدوه فإنّه لا عهدَ له. ولا تأمَنوه فإنّه لا أمانَ له ولا إيمان.

إنَّ الاستعمارَ يلفِظ أنفاسَه الأخيرة فلا يكتُبْ عليكم التاريخُ أنّكم زِدتم في عمره يومًا بموالاتكم له [1] . ولا تحالِفوه فإنَّ من طَبعِه الحيوانيّ أن يأكلَ حليفَه قبلَ عدوِّه. إنتهى

/ و قال رحمه الله تعالى في مقال بعنوان"حالة المسلمين": صَحَوْنا من نوم الاتكال، فنقلنا إلى نوم التواكل، وخرجنا من نوم الجهل ومن نوم الركود، إلى طفرة تدقُّ الأعناق، وانفلتنا من تنويم تُجَّار الدين فوقعنا في تَنْوِيم تجار السياسة.

أولئك يمنوننا بسعادة الآخرة من دون أن يسلكوا بنا سبيلها الواضحة، وهؤلاء أصبحوا يُغَنُّون لنا بسعادة الدنيا دون أن يدلونا على نهجها الصحيح، وكانت العاقبة لذلك كله ما نرى وما نحس وما نشكو.

وما أضلنا إلا المجرمون الذين يدعونا بعضهم إلى الجمع بوسيلة التفريق ويدعونا بعضهم إلى النجاة بطريقة التغريق، والأولون هم رجال الدين الضالون اللذين فرَّقوه إلى مذاهب وطوائف، والآخرون رجال السياسة الغاشون الذين بَدَّلوا المشرب الواحد، فجعلوه مشارب.

و قال في نفس المقال: أمَّا الفضائل في نظر الإسلام وحكمه فإنها صبغة لا تتحول وحقيقة لا تتغير ولا تتبدل. فالصدق في معناه الإسلامي هو الصدق لا تتصرف في معناه المصالح والمنافع، ولا تتلاعب به الأهواء والمطامع، والوفاء هو الوفاء، والعدل والإحسان والرفق والعفو عند القادر، كل أولئك من الفضائل الثابتة ثبوت الحقائق لا تنال منها تصاريف الأيام، ولا يتصور أن يأتي على الناس يوم تُجْمِع فيه عقول العقلاء على أنَّ الصدق مثلًا رذيلة تَصِمُ صاحبها بالذم إلاَّ إذا جوزنا مجيء يوم يخرج فيه الكون من تدبير الله إلى تدبير الشيطان ويكون أفضل الذكر فيه أن يقال كلما ذكر الشيطان: -رضي الله عنه-.

فالموازين القرآنية للفضائل هي التي يجب أن تحكم في العقول حتى تامَنَ على الفضيلة ما يجري بيننا على"الأوراق النقدية".

ونحن أهل القرآن أحق الناس بالدعوة إلى هذا وتبيّنه ونشره في هذا العالم المضطرب الذي فقد الفضائل الإنسانية، فانحدر إلى حيوانية عارمة توشك أنْ تفضي به إلى الفناء.

نحن أهل القرآن - الذي وضع الموازين القسط للفضائل وحثَّ عليها وجعلها أساسًا للسعادة، وسلمًا للسيادة - أولى الناس بأنْ نَزِنَ النهضات بحظوظها من الفضائل، وأن نبني بأيدينا أساس نهضتنا على صخرة الفضائل طبقًا عن طبق، ونحن - لو أجلنا بصائرنا في القرآن - أبعد الناس عن فساد التصور في تسمية هذه الحركات المتهافتة في المجتمعات الإسلامية نهضة.

/ و قال [2] : أما الأمم الجارية مع الحياة فإنها تحلّ مشكلاتها القديمة لتتفرغ للمشكلات الجديدة، ومن سلك هذا السبيل لم يبق له مشكلة، لأن المشكلات إذا وجدت العقول متهيأة لحلها قادرة عليه متفرغة له لم تعد مشكلة، وما صيّر قضايا العرب مشكلات إلا العرب وعقول العرب، فهم فيها بين حالات ثلاث إما أن يسكتوا فتبقى إشكالًا، وإما أن يعتمدوا في حلّها على غيرهم فيزيدها تعقيدًا أو يحلّها لصالحه لا لصالحهم، وإما أنّ يعالجوها بأنفسهم ولكن بنيات مدخولة وضمائر مريضة وعقول ناقصة وغايات متباينة وإرادات مستبعدة ومقاصد تافهة، فلا يكون العلاج علاجًا، وإنما يكون بلاء مضاعفا.

(1) - و هذا حال أمريكا اليوم.

(2) - كتاب"في قلب المعركة" (ص: 102)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت