الصفحة 28 من 61

ولذلك بوّب له النووي في"صحيح مسلم"؛ (باب تحريم قتل الكافر بعد قوله لا إله إلا الله) ، ولكن يجب أن يُعلم أنّ هناك فرق كبير بين ابتداء العصمة وبين استمرارها، فالعصمة تبدأ للكافر بمجرد تلفّظه بكلمة التوحيد، ولكن استمرار تلك العصمة لا يكون إلا بالتزام حقوق هذه الكلمة وخلع واجتناب نواقضها.

فالكافر عندما يهمّ بالدخول للإسلام يتلفّظ بكلمة التوحيد ومجرّد تلفّظه يعني استعداده لقبول شرائع الإسلام واستسلامه لحقوقها وبراءته من نواقضها، فإن لم يحقق ذلك؛ لم تستمر العصمة التي دخل إليها بالكلمة بل انقطعت.

فالحديث إذًا لرجل أسلم للتّو ولم يُظهر شيئًا من نواقض الإسلام، وليس هو فيمن يزعم ويدعي الإسلام منذ دهر، وإذا نظرت في حاله وجدته حربًا على الإسلام وأهله سِلمًا للطاغوت وأوليائه وقوانينه وباطله، فهذا لو قالها مئات بل ألوف المرات؛ لم تكن لتنفعه حتى ينخلع عن الكفر والشرك والطاغوت الذي يعبده ويتولاّه ويحرسه.

لأنّ هذا هو أهم معاني هذه الكلمة التي لم يحققها دهره كله.

ومثل ذلك قوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} ، فإنها نزلت كما في الحديث الذي يبيّن سبب نزولها؛ في مجموعة من الصحابة مرّوا برجل معه غنيّمة فسلم عليهم، وأظهر الإسلام ولم يُظهر شيئًا من نواقضه، ومع هذا فعلوا معه كما فعل أسامة، فقتلوه بحجة أنّه قالها خوفًا منهم وأخذوا غنمه ... فأنكر الله تعالى عليهم ذلك في القرآن، إذِ الواجب فيمن أظهر لنا الإسلام أن نعامله بظاهره ما لم يُظهر لنا خلاف ذلك.

فإن تبيّن لنا بعد ذلك أنه يُظهر الإسلام ودين آخر كفري ولم يبرأ منه - كالديمقراطية مثلًا أو موالاة القوانين الوضعية - لم نقبل منه حتى يبرأ من ذلك كله ويُخلص دينه لله رب العالمين.

ولذلك قال سبحانه قبل ذلك وبعده: {فتَبَيَّنُوا} .

[5] صِلَة: تابعي راوي الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت