الصفحة 23 من 31

جوف داره فإن الله سبحانه لا تحجز نظره الأبواب المغلقة، ولا الستر المرخاة. بل لو كان العبد في قعر البحار، أو على رؤوس الجبال فإن ربه يراه، ويعلم بكل حركة منه وسكنة. {وَمَا تَكُونُ فِي شَانٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [يونس:61] .

فبذلك السبيل وأشباهه من المحاسبة يكون المرء صادقا في محاسبته نفسه على ارتكاب المعصية والذنب. ومن منا يسلم من معاقرة الذنوب والخطايا؟ نسال الله اللطف والتخفيف.

(ج) محاسبتها على أمر كان تركه خيرا من فعله، أو على أمر مباح، ما سبب فعله له.

فيوجه لنفسه أسئلة متكررة: لم فعلت هذا الأمر؟ أليس الخير في تركه؟ وما الفائدة التي جنيتها منه؟ هل هذا العمل يزيد من حسناتي؟ ونحو ذلك من الأسئلة التي على هذه الشاكلة.

وأما المباح فينظر: هل أردت به وجه الله والدار الآخرة، فيكون ذلك ربحًا لي أو فعلته عادة وتقليدًا بلا نية صالحة ولا قصد في المثوبة، فيكون فعلي له مضيعة للوقت على حساب ما هو أنفع وأنجع؟ ثم ينظر لنفسه بعد عمله لذلك المباح، فيلاحظ أثره على الطاعات الأخرى من تقليلها أو إضعاف روحها، أو كان له أثر في قسوة القلب وزيادة الغفلة. فكل هذه الأسئلة لابد منها حتى يسير العبد في طريقه إلى الله على بصيرة ونور.

أورد أبو نعيم بسنده عن الحسن قوله:(إن المؤمن يفجؤه الشيء ويعجبه فيقول: والله إني لأشتهيك، وإنك لمن حاجتي، ولكن - والله - ما من صلة إليك، هيهات!! حيل بيني وبينك. ويفرط منه الشيء [يقع في الخطأ] فيرجع إلى نفسه فيقول: ما أردت إلى هذا، وما لي ولهذا؟ ما أردت إلى هذا، وما لي ولهذا؟ والله ما لي عذر بها، ووالله لا أعود لهذا أبدا - إن شاء الله.

إن المؤمنين قوم أوثقهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتى يلقي الله - عز وجل - يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وفي بصره وفي لسانه وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كله) [1] .

وفي الجملة: فلابد للمسلم من دوام محاسبة النفس، ومعاتبتها وتذكيرها كلما وقعت منها زلة أو جنحت إلى حطام الدنيا الفاني [2] .

ولننظر إلى أنموذج آخر في كيفية معاتبة النفس أورده الغزالي -

(1) (حلية الأولياء) (2/ 157) و (ذم الهوى) (40) ..

(2) علق فضيلة الشيخ ناصر العمر بعد هذا الموطن بقوله: (انتشر في أوساط بعض الصالحين - والشباب منهم على وجه الخصوص - أسلوب في طريقة محاسبة النفس، وهي عبارة عن تصميم ورقة مجدولة تكتب فيها بعض الجوانب المراد محاسبة النفس عليها، وربما وضعت عليها درجات يقوم فيها أحدهم نفسه. وهذا الطريقة محدثة لم تعرف عن السلف - فيما أعلم - وهي أقرب إلى البدعة، مع ما تتضمنه من خلل تربوي. فلينتبه لذلك) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت