المبحث السادس
مما يعين على المحاسبة
هناك بعض الأمور تعين المرء على المحاسبة لنفسه، بحيث إذا تأملها وتملّاها جيدا كانت خير معين له على أن يبادر ويسارع إلى أطر نفسه وإيقافها عند أمر الله ونهيه. فمن ذلك ما ذكره ابن القيم - رحمه الله - حيث قال: (ويعينه على هذه المراقبة والمحاسبة أنه كلما اجتهد فيها اليوم استراح منها غدا إذا صار الحساب إلى غيره. وكلما أهملها اليوم اشتد عليه الحساب غدًا. ويعينه أيضًا: معرفته أن ربح هذه التجارة سكنى الفردوس، والنظر إلى وجه الرب سبحانه، وخسارتها دخول النار والحجاب عن الرب تعالى.
فإذا تيقن هذا هان عليه الحساب اليوم. فحق على المؤمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها، فكل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا حظ لها يمكن أن يشتري بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد. فإضاعة هذه الأنفاس، أو اشتراء صاحبها ما يجلب هلاكه: خسران عظيم لا يسمح بمثله إلا أجهل الناس وأحمقهم وأقلهم عقلًا. وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران:30] [1] .
ويحسن التنبيه هنا على أمر يعين على المحاسبة وهو: أن يحرص المسلم على تخصيص وقت محدد يحاسب فيه نفسه، وإن كان
(1) إغاثة اللهفان 1/ 96.