الصفحة 25 من 52

شقائهم وفضيحتهم، على رءوس الأشهاد» [1] .

ومما جاء فيما يبيِّن عظم الميزان: ما رواه الحاكم في «المستدرك» [2] عن سلمان - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السموات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة: يا رب! لمن يزن هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك، ما عبدناك حق عبادتك ... » الحديث. صححه الشيخ الألباني [3] .

وبما تقدم يتبين مشهد من المشاهد التي سيوافيها الناس يوم القيامة، ألا وهو الميزان، والواجب على المسلم والمسلمة الإيمان به وفق ما جاءت به النصوص الشرعية، كما ألمحنا إلى ذلك آنفًا. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: فأما الميزان المذكور في يوم القيامة فقد تواترت [به] الأحاديث وهو ظاهر القرآن [4] .

قال العلامة ابن أبي العز الحنفي رحمه الله بعد أن أورد النصوص الواردة في الميزان: «فثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال، وثبت أن الميزن له كفتان، والله تعالى أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات، فعلينا الإيمان بالغيب كما أخبرنا الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - من غير زيادةٍ ولا نقصان، ويا خيبة من ينفي وضع الموازين القسط ليوم القيامة، كما أخبر الشارع، لخفاء الحكمة عليه، ويقدح في النصوص بقوله: لا يحتاج إلى الميزان إلا البقال والفوَّال!! وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم الله لهم يوم القيامة وزنًا، ولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله سبحانه لجميع عباده، فلا أحدَ أحبُّ إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، فكيف ووراء ذلك من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه» [5] .اهـ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وأما كيفية تلك الموازين فهو بمنزلة كيفية سائر ما أخبرنا به من الغيب» .اهـ [6] .

قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله: ونصبُ الميزان الحق يوم القيامة بين الخلق لفوائد عظيمة، وحِكَم بهية اقتضتها الحكمة الإلهية، مع علم الله العليم الخبير، بمقادير الأعمال الصغير والكبير، لا يغيب عن نظره غائب، ولا يفوته هارب، ولا يؤوده حفظ ما خلق وهو رب العرش العظيم، ولا يَعْزُبُ عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، وإنما الحكمة في وزن أعمال العباد أن ذلك لامتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا، وقيل: لإظهار علامة السعادة والشقاوة يوم القيامة، وقيل: ليعرف العباد ما لهم من

(1) «النهاية» (2/ 130) ، وقارن بذلك «مجموع الفتاوى» (6/ 486) حيث نبَّه شيخ الإسلام إلى وقوع الخلاف في حساب الكفار ثم وضَّح الإشكال بحسب الاعتبار من جهة الإحاطة بالأعمال وكتابتها أو وزن الحسنات والسيئات .. إلخ. وينظر أيضًا: «الفصل في الملل والأهواء والنحل» (3/ 65) لأبي محمد بن حزم، و «تفسير القرطبي» (11/ 66) .

(3) «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (2/ 656) رقم (941) .

(4) «النهاية» (2/ 130) .

(5) «شرح الطحاوية» (ص 613) .

(6) «مجموع الفتاوى» (4/ 302) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت