الصفحة 12 من 37

لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - امتنع من الذهاب إليها مبالغة في إظهار التسليم لربه ـ جل وعلا ـ وأن الأمر بيده سبحانه، وأرسل إليها من أرسلت، وأمره أن يبلغها السلام، وأن يخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى، وأن كل شيء عنده بأجل مسمى، وأن الواجب عليها أن تصبر وتحتسب، فلا تجزع، بل تسلم لقضاء الله وقدره، لأنه سبحانه استودعها ما وهبها، ثم استردها لما جاء أجلها المقدر.

لكن زينب أعادت رسولها إلى والدها - صلى الله عليه وسلم - وأقسمت عليه أن يحضر، فأبر قسمها تطييبا لخاطرها، فتوجه إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه عدد من الصحابة، فاستأذنوا، فأذن لهم، فدخلوا، ورفعت الصبية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي لا تزال تحتضر، ولها صوت حشرجة، وفي رواية النسائي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضمها إلى صدره ثم وضع يده عليها، وحينئذ لم يتمالك النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه فدمعت عيناه وبكى، بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم - ما أرحمه وما أرق قلبه.

فاضت عينا النبي - صلى الله عليه وسلم -، والصحب الكرام يرقبونه، فاستغرب سعد بن معاذ بكاءه - صلى الله عليه وسلم - مع أنه يظن أن البكاء منهي عنه، ولعله لم يفرق بين الجائز منه والممنوع.

فأجابه - صلى الله عليه وسلم - بأن ذلك البكاء والدمع أثر رحمة يجعلها الله في قلوب من شاء من خلقه، وأن الله ـ جل وعلا ـ إنما يرحم من عباده الرحماء.

وقد تضمن هذا الحديث فوائد عدة:

منها: الترغيب في الشفقة على خلق الله، والرحمة لهم، والترهيب من قساوة القلب، وجمود العين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت