(لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تُفضي إليها، كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها.فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطها بها.فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل.
فإذا حرم الرب تعالى شيئًا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقًا لتحريمه وتثبيتًا له ومنعًا أن يقرب حماه) (1)
ولما كان الشرك أعظم الذنوب، فقد سدت دونه كل الوسائل المفضية إليه، والذرائع الموصلة إليه، وأعظمها العكوف على قبور الأولياء والصالحين وتعظيمها، والغلو فيهم بالمحبة والإطراء والتعظيم.
وقد تقدم معنا أن مبدأ الشرك في قوم نوح، كان سببه العكوف على قبور الصالحين، وهم ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر.
وأما عبادة النصارى للمسيح عليه السلام، فكان سببها الغلو في التعظيم والإطراء، وكذا عبادة اليهود لعزير عليه السلام وعبادة المشركين للملائكة، ولذا فقد جاءت النصوص محذرة من هاتين الذريعتين: تعظيم القبور والغلو في أصحابها.
أما الأنصاب والأحجار والأصنام فإنما صنعت على صور أولئك المعبودين المعظمين،
المقبورين منهم وغير المقبورين، فهي ليست معظمة لذاتها، وإنما لكونها صورت على أشكالهم، أو على هيئة اخترعها عبادهم وتخيلوها في أذهانهم فصنعوا لها هياكل تدل عليهم وسموها بأسماء مخترعة أيضًا، كما فعل المشركون حين عبدوا الملائكة على صور أصنام واشتقوا لها أسماء من أسماء الله عز وجل، لأنهم بزعمهم، بنات الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
والذين عبدوا القبور والأشجار والأحجار والأنصاب، إنما عبدوها تبركًا بها وتعظيمًا للمعبودين إما لكونهم مقبورين فيها، أو لأنها أثر من الآثار الدالة عليهم.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله من مكايد إبليس، لعنه الله، التي كاد بها أكثر الناس
(1) :"إعلام الموقعين" (3/147) .