الصفحة 31 من 109

وفي الآية الثانية تأكيد للأولى، وبيان آخر وهو أن الشفاعة كلها لله لا لأحد من الخلق، وإنما هي ملك له وحده يأذن لمن يشاء، بخلاف شفاعة الخلق لبعضهم عند بعض كشفاعة الوجهاء عند الرؤساء فهذه شفاعة تليق بحال المخلوقين من الضعف والعجز والقلة والذلة، كما أن شفاعة الخالق سبحانه تليق بجلاله وعظمته وكمال سلطانه وعزته وغناه عن خلقه، ومن سوَّى بين الشفاعتين فقد غلط غلطًا بينًا وافترى إثمًا عظيمًًا.

(( وقالوا لا تذرون آلهتكم ) )

ذكر ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه (( وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودًا

ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا )) أنها (أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت) (1) .

قال السهيلي: (كانوا يتبركون بدعائهم كلما مات منهم أحد مثلوا صورته وتمسحوا بها إلى زمن مهلائيل فعبدوها بتدريج الشيطان لهم، ثم صارت سنة في العرب في الجاهلية، ولا أدري من أين سرت لهم تلك الأسماء؟ من قبل الهند؟ فقد قيل إنهم كانوا المبدأ في عبادة الأصنام بعد نوح، أم الشيطان ألهم العرب ذلك؟) انتهى نقله من"فتح الباري"، ثم قال الحافظ: (وقد أخرج الفاكهي من طريق ابن الكلبي قال:(كان لعمرو بن ربيعة رئي من الجن فأتاه فقال: أجب أبا ثمامة، وادخل بلا ملامة ثم ائت سِيْفَ جدَّة، تجد بها أصنامًا معدة، ثم أوردها تهامة

ولا تهب، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب.قال فأتى عمرو ساحل جدة فوجد بها ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا، وهي الأصنام التي عبدت على عهد نوح وإدريس، ثم إن الطوفان طرحها هناك فسفى عليها الرمل فاستثارها عمرو وخرج بها إلى تهامة وحضر الموسم فدعا إلى عبادتها فأجيب) (2) اهـ.وذكر الحافظ أن عمرًا هذا هو عمرو بن لحي.

(1) : أنظر"صحيح البخاري" (8/667) .

(2) :"الفتح" (8/668) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت