والظاهر من الآية أن سجين: هو اسم للكتاب لأنه تعالى قال: [وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ* كِتَابٌ مَرْقُومٌ] ، ولكن الحافظ ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: [كِتَابٌ مَرْقُومٌ] ، قال: =ليس تفسيرًا لقوله: [وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ] ، وإنما هو تفسير لما كتب لهم من المصير إلى سجين، أي مرقوم مكتوب مفروغ منه لا يزيد فيه أحد ولا ينقص منه أحد. قاله محمد بن كعب القرظي+ [1] وهكذا قال الراغب [2] ، والقاسمي [3] .
وعليه فيكون قوله تعالى: [كِتَابٌ مَرْقُومٌ] تفسيرًا لقوله: [إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ] : أي إن كتاب الفجار كتاب مرقوم، ويكون قوله: [وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ] جملة معترضة بين المفسَّر والمفسِّر.
وهذه الآية ليست صريحة في مكان النار كما استدل بها في شرح لمعة الاعتقاد [4] .
وقد دلت الأحاديث أن النار يؤتى بها يوم القيامة فتكون في موضع قبل مكان الجنة؛ لأن الصراط منصوب على جسر جهنم، ومن تجاوزه فإنه يصل إلى الجنة، كما دلت على ذلك الأحاديث الكثيرة التي ذكرت في مبحث الصراط، وعليه فالنار قبل الجنة.
فعن عبد الله بن مسعود عن رسول الله"قال:=يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا+ [5] ."
دل أن جهنم لها مكان آخر، ثم يؤتى بها منه إلى مكانها الذي هو قبل الجنة.
وأما مكانها في الدنيا فإنه لا يوجد نص صريح يدل على ذلك، وهذه المسألة من مسائل الغيب التي لا تعلم إلا عن طريق الوحي؛ ولا وحي، فالأسلم في هذا الوقت هو التوقف.
المبحث الخامس عشر:
النار:
المطلب الأول: تعريف النار.
(1) ـ تفسير القرآن ابن كثير (8/ 350) .
(2) ـ مفردات ألفاظ القرآن ص 399.
(3) ـ محاسن التأويل (7/ 282) .
(4) ـ شرح لمعة الاعتقاد ص 133، للشيخ محمد بن عثيمين ×.
(5) ـ رواه مسلم _ كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها _ باب في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها (5076) .