الصفحة 646 من 891

يُقْسِمُ الله سبحانه بنفسه، وهو أعظم قسم وأجله؛ أنهم سيحشرون بعد الموت، فهذا أمر مفروغ منه: [فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ] ، ولن يكونوا وحدهم: [فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ] فهم والشياطين سواء، وهنا يصور ربنا جل وعلا صورة حسية وهم جاثون حول جهنم جثو الخزي والمهانة [ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا] ، وهي صورة رهيبة، وهذه الجموع التي لا يحصيها العد محشورة محضرة إلى جهنم جاثية حولها، تشهد هولها، ويلفحها حرها، وتنتظر في كل لحظة أن تؤخذ فتلقى فيها، وهم جاثون على ركبهم في ذلة وفزع، وهو مشهد ذليل للمتجبرين المتكبرين، يليه مشهد النزع والجذب لمن كانوا أشدَّ عتوا وتجبرًا [ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا] ، والله جل وعلا هو أعلم بمن هم أولى بأن يصلوها، فلا يؤخذ أحد جزافًا من هذه الجموع التي أحصاها الله تعالى فردًا فردًا: [ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا] .

وقد غيرت هذه الآية [وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا] أحوال الصالحين، فأسهرت

ليلهم، وعكرت عليهم صفو العيش، وحرمتهم الضحك، والتمتع بالشهوات.

ذكر ابن كثير × أن أبا ميسرة كان إذا أوى إلى فراشه قال: يا ليت أمي لم تلدني، ثم يبكي، فقيل له: ما يبكيك يا أبا ميسرة؟ فقال: أخبرنا الله أنا واردوها، ولم يخبرنا أنا صادرون عنها.

وقال عبد الله بن المبارك عن الحسن البصري، قال: قال رجل لأخيه: هل أتاك أنك وارد النار؟ قال: نعم، قال: فهل أتاك أنك صادر عنها؟ قال: لا، قال: ففيم الضحك؟ قال: فما رؤي ضاحكًا حتى لحق بالله.

وقال ابن عباس _ رضي الله عنهما _ لرجل يحاوره: أمَّا أنا وأنت يا أبا راشد فسنردها، فانظر هل نصدر عنها أم لا؟ [1] .

المبحث السابع:

العرض والحساب والجزاء:

المطلب الأول: المراد بالعرض والحساب والجزاء.

(1) ـ تفسير القرآن لابن كثير (4/ 476) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت