الصفحة 2 من 68

وانتقل معي إلى أعماق التاريخ ..

وتصور في ذهنك مكة وهي خاليةٌ، لا بَشَرَ فيها ولا مأوى، بجبالها الشاهقة، وَوِدْيَانِها الضيقة، تحيط بها الجبال السوداء والحجارة الصماء من كل جانب، وتخيل تلك المرأة (أم إسماعيل) وقد جاءت من بلاد الخيرات والأنهار، من بلاد النيل، بلاد مصر، وابنها وحيد أبيه وأمه، ووالده عليه السلام قد بلغ من الكبر عتيًا، وابنها طفل في المهد، يعيش مع أمه في هذه البقعة، وبالتحديد كان موقعه يبعد عن الحجر الأسود بضعة أمتار (مَقَرُّ عَيْن زمزم) ؛ لأن الكعبة آنذاك ربوة مرتفعة، فجلسوا في سفحها لأجل الظل، والقصة معروفة مشهورة رواها أهل الصحاح.

فمن تلك اللحظة بدأت الحياة في مكة لأجل بِعثَةِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعِمَارَةِ البيت الحرام، فتحققت دعوةُ إبراهيم عليه السلام واستجاب الله له، هذه بداية الحياة في مكة.

أما المدينة فلها شأن آخر، واستقرار الأوس والخزرج فيها بأمر الله، لما تركوا بلاد غامد على الأصح [1] .

وأرض الهجرة موصوفة في التوراة، ولأجل هذا ترك اليهود الأرض المقدسة التي بارك الله فيها، وفيها مبعث رسلهم عليهم السلام، ومنزلة فلسطين لدى اليهود لا تخفى، فتركت بعض قبائل اليهود تلك الأراضي وسكنوا المدينة؛ لأنهم علموا أوصافها من التوراة وأنها دار هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما أن النبي عليه الصلاة والسلام أري دار هجرته في أرض سبخة ذات نخل بين حرتين.

وقصة سلمان الفارسي رضي الله عنه مشهورة، وقد وصف له الراهب النصراني عالم زمانه أرض مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمره بالذهاب إليها، وقد أخبر سلمان رضي الله عنه أنه لما رآها عرفها بالوصف، وأنها هي الأرض التي سيخرج فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

(1) يرى بعض المؤرخين أنهم قدموا من بلاد اليمن من مأرب، وقيل: بل قدموا من بلاد غامد، وهو الأرجح؛ كما أنه يشملها اسم اليمن أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت