ومن أمثلة ذلك أيضًا: ما حدث في هذه الأزمان المتأخرة بسبب وجود آلات الطحن البخارية والكهربائية من انتشار الدقيق (1) في الحواضر انتشارًا أغنى عن اقتيات الحبوب، حتى قلّ وجودها، وانقطع بسبب ذلك وجود الأرحاء الحجرية من البيوت، ولم يبق إلا الآلات المذكورة التي يتعذر فيها طحن القليل من الحبّ: كالصاع ونصفه كما هو معلوم، فاكتفى الناس بالدقيق الموجود بكل دكان،وأعرضوا عن الحب لما يحصل فيه من التعب والمشقة.
فنشأ عن ذلك ما يدعو إلى النظر في زكاة الفطر، هل يُنْتَقل فيها من المنصوص عليه إلى ما جرت به العادة، وهو الدقيق، أو لا بد من المنصوص عليه، ولو مع جريان العادة بعدم اقتياته.
ثم حصل في هذه السنة بسبب الحرب العالمية وانقطاع المواصلات قلّة الحبّ والدقيق معًا، وصارت الحكومة توزّع على الناس الخبز، ومنعت بيع الدقيق، ولم يبق في المتناول إلا القمح بثمن مضاعف على الخبز سبع مرّات، بل أزيد.
فكثر سؤال الناس عن زكاة الفطر مع ارتفاع القمح إلى الثمن المذكور، فأفتيناهم بجواز إخراج المال والدقيق لمن كان متيسرًا لديه.
وقلنا: إن المال أفضل من الدقيق نظرًا لحال الوقت ومصلحة الفقير، وكان هذا في السنة الماضية حيث كان الدقيق لا زال متيسر الحصول عليه، أما في هذه السنة التي انقطع فيها الدقيق بالكلية، فأفتيناهم لما تكرّر السؤال بإخراج المال، ووافقنا على ذلك بعض أهل العلم، فأفتى أهل بلده بجواز إخراج المال، فقامت قيامة طلبتها، وكادت السموات يتفطرن، أو تنشق الأرض أو تخر الجبال، هذا إن خالف المذهب وأفتى موافقة لنا بجواز إخراج المال.
فطلب منِّي أن أبيِّن له مستند ما ذهبت إليه، أذكر له ذلك مبسوطًا، فأجبته بهذا الجزء، وسميته:
تحقيق الآمال
في جواز إخراج زكاة الفطر بالمال
فقلت وبالله التوفيق:
(1) دققت الشيء دقًا، فهو مدقوق، ودقيق الحنطة وغيرها: وهو الطحين. ينظر: المصباح المنير ص197، وغيره.