الصفحة 17 من 108

إن النبي ( عيَّن الطعام في زكاة الفطر لنُدْرَته بالأسواق في تلك الأيام، وشدة احتياج الفقراء إليه، فإن غالب المتصدّقين في عصر النبي ( ما كانوا يتصدّقون إلا بالطعام، فكان ( كلما حثّ الناس على الصدقة بمناسبة قدوم فقراء أو ضيوف بادروا إلى الإتيان بالطعام لمسجده (، قال (: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} (1) ، وقال (: {وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} (2) ، ولم ينقل أنهم كانوا يتصدقون بالمال إلا على سبيل الندرة؛ لحاجة الفقراء إلى الطعام واللباس لا إلى المال، أما الآن فحاجة الفقراء إلى المال؛ لحصول الكفاية لهم به.

إنه ( قال: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} (3) ، والمال هو المحبوب اليوم، فكثير من الناس يهون عليهم إطعام والطعام، وعمل الولائم، ويصعب عليه ثمن ذلك للفقراء، والحال في عصر النبي ( على خلاف ذلك؛ لذلك كان إخراج الطعام في عصرهم أفضل.

إن الزكاة وجبت على كل أحد من ماله الذي عنده، لا يكلف استحضار غيره، كما في الأحاديث السابقة، والذي عند الناس اليوم هو النقد، فالواجب عليهم الإخراج مما عندهم، ولا يكلفون استحضار الحب الذي ليس عندهم.

إن المنصوص عليه في صدقة الفطر هو بيان لقدر الواجب لا لعينه؛ إذ لو كان بيانًا لعين الواجب لما خالفه الصحابة والتابعون والأئمة والفقهاء، فذكروا من الأعيان ما لم يرد به نص من الشارع، وإذا ثبت ذلك جاز إخراج المال؛ علمًا أنه لا فارق بين زكاة الفطر وزكاة المال، فإما أن تجوز القيمة فيهما أو تمنع فيهما.

إن القاعدة الشرعية تقول: المشقة تجلب التيسير؛ ومعلوم أن إخراج الطعام فيه مشقة على المعطي في تحصيله، وعلى الفقير في الانتفاع منه وبيعه خصوصًا يوم العيد، وعلى فرض انتفاء المشقة فالحاجة قد تقوم مقام المشقة.

(1) الإنسان:8.

(2) الحاقة:34.

(3) آل عمران: من الآية92.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت