فاقتتلوا بالمسناة [1] ، وقد كانت المعركة في بدايتها لصالح محمد بن أبي بكر وجيشه، فهذا كنانة بن بشر الذي قدمه محمد بن يديه في ألفي مقاتل جعل لا يلقاه أحد من الشاميين إلا قاتلهم حتى يلحقهم مغلوبين إلى عمرو ابن العاص، وعندئذ بعث عمرو بن العاص إلى معاوية بن حديج فجاءه من ورائه وأقبل إليه الشاميون حتى أحاطوا به من كل جانب، فترجل عند ذلك كنانة وهو يتلو قول الله تعالى: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلًا) [2] ، ثم قاتل حتى قتل [3] ، وعندما علم أتباع محمد بمقتل قائد الجيش كنانة بن بشر وهو من أشجعهم وأقواهم فروا من أرض المعركة هاربين إلى سبيلهم، وقيل إنهم دخلوا إلى حصن وأغلقوا أبوابه وجعلوا أمرهم إلى رجل منهم يدعى قيس بن عدي بن خيمة اللحمي، فقيل لعمرو بن العاص: إن هؤلاء قد استقتلوا ولن تصل إليهم حتى ينكوا [4] من معك، فأعطاهم عمرو ما أحبوا، فخرجوا على الصلح [5] ، وبذلك أصبح محمد بن أبي بكر وحيدًا شريدًا ضعيفًا بعد أن تفرق عنه رجاله، وكان يوم المسناة كما ذكر في كتب التاريخ في شهر صفر من عام ثمان وثلاثين للهجرة [6] .
وصف يوم المسناة على لسان عمرو بن العاص
لقد كانت المعركة يوم المسناة معركة فاصلة في تاريخ مصر، فقد كانت هذه المعركة بنتائجها تقتضي تحول مصر من سيطرة علي بن أبي طالب إلى سيطرة معاوية بن أبي سفيان، ولقد كانت معركة ضارية قتل الكثير فيها من الطرفين، ولقد وصف عمرو بن العاص هذه المعركة بأنها من أشد المعارك التي شهدها في حياته فقال: لقد شهدت ثمانية عشر زحفًا براكاء [7] فلم أر يومًا مثل المسناة ونقل عنه أنه قال: شهدت أربعة وعشرين زحفًا فلم أر يومًا كيوم المسناة ولم أر الأبطال إلا يومئذ [8] .
(1) . ولاة مصر (1/ 25) .
(2) . آل عمران (145) .
(3) . أنظر البداية والنهاية (7/ 314)
(4) . أي يهزموا من معك من الرجال، أنظر كتاب العين للخليل الفراهيدي (5/ 412) .
(5) . ولاة مصر (1/ 25) .
(6) . فتوح مصر والمغرب لعبد الرحمن المصري ت (257هـ) (1/ 149) .
(7) . يقال: قد ابتركوا في الحرب: إذا جثوا على الركب ثم اقتتلوا إبتراكًا، أنظر معجم مقاييس اللغة (1/ 229) .
(8) . ولاة مصر (1/ 25) .