وحج حجته الثانية في سنة ست وست مئة، وأقام في مكة والمدينة سنة سبع وست مئة، وسمع من إمام الحنابلة بالحرم الشريف نصر بن محمد بن علي، المعروف بالحصري (1) .
ويقول ابن النجار: كنت سمعت منه شيئًا يسيرًا في بغداد، وقرأت عليه كثيرًا أثناء إقامتي بمكة المكرمة، واستفدت منه كثيرًا، وسألته سؤالات، وكان من العلم والدين بمكان (2) .
ويقول: لما دخلت مدينة النبي ?، وأسعدت بزيارته، أقمت بها، فاجتمعت بجماعة من أهل الصلاح والعلم والفضل من المجاورين بها - وفقهم الله وإيانا لمرضاته -، فسألوني عن فضائل المدينة وأخبارها، فأخبرتهم بما تعلق في خاطري من ذلك، فسألوني إثباته في أوراق، فاعتذرت إليهم بأن الحفظ قد يزيد وينقص، ولو كانت كتبي حاضرة؛ كنت أجمع كتابًا في ذلك شافيًا لما في النفس، فألحوا عليَّ، وقالوا: تحصيل اليسير خير من فوات الكثير، وهذه البلدة مع شرفها قد خلت ممن يعرف من أخبارها شيئًا، ونحن نحب أن يكون لك بها أثر صالح تذكر به.
فأجبتهم لذلك؛ رجاء لبركتهم، واغتنامًا لامتثال أمرهم، وقضاء لحق جوارهم وصحبتهم، وطلبًا لما عند الله تعالى من الثواب بنشر فضائل دار الهجرة ومنبع الوحي، وذكر أخبارها، والترغيب في سكناها، والحث على زيارة المدفون بها صلوات الله عليه وسلامه، واستخرت الله سبحانه وتعالى، وأثبت في هذا الكتاب ما تيسر من ذلك بعون الله وحسن توفيقه، ثم إني ذكرت أكثره بغير إسناد؛ لتعذر حضور أصولي (3) .
(1) ولد في رمضان سنة ست وثلاثين وخمس مئة، وتوفي باليمن في بلدة المهجم سنة تسع عشرة وست مئة، وكان من حفاظ الحديث العارفين بفنونه، متقنًا، ضابطًا، ثقة، حجة، نبيلًا. ذيل تاريخ بغداد 21/ 182، ترجمة 187.
(2) سير أعلام النبلاء 22/ 163، ترجمة 111، العقد الثمين للفاسي 7/ 332، ترجمة 2590.
(3) مقدمة ابن النجار في كتابه الدرة الثمينة في أخبار المدينة.