فهرس الكتاب

الصفحة 384 من 526

امْرَأَةٌ عَلَى كَتِفِهَا صَبِيٌّ لَهَا، فَتَقَاعَسَتْ مِنْ أَجْلِ الصَّبِيِّ، فَقَالَ الصَّبِيُّ: يَا أُمَّهْ اصْبِرِي، فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ. فَذَكَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَرَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُؤْسَرُ، فَيُعْرَضُ عَلَى الْكُفْرِ، وَيُكْرَهُ عَلَيْهِ، أَلَهُ أَنْ يَرْتَدَّ؟ فَكَرِهَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ مَا يُشْبِهُ هَذَا عِنْدِي الَّذِينَ أُنْزِلَتْ فِيهِمْ الْآيَةُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أُولَئِكَ كَانُوا يُرَادُونَ عَلَى الْكَلِمَةِ ثُمَّ يُتْرَكُونَ يَعْمَلُونَ مَا شَاءُوا، وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونَهُمْ عَلَى الْإِقَامَةِ عَلَى الْكُفْرِ، وَتَرْكِ دِينِهِمْ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِي يُكْرَهُ عَلَى كَلِمَةٍ يَقُولُهَا ثُمَّ يُخَلَّى، لَا ضَرَرَ فِيهَا، وَهَذَا الْمُقِيمُ بَيْنَهُمْ، يَلْتَزِمُ بِإِجَابَتِهِمْ إلَى الْكُفْرِ الْمُقَامِ عَلَيْهِ، وَاسْتِحْلَالِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَتَرْكِ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ، وَفِعْلِ الْمَحْظُورَاتِ وَالْمُنْكَرَاتِ، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً تَزَوَّجُوهَا، وَاسْتَوْلَدُوهَا أَوْلَادًا كُفَّارًا، وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ، وَظَاهِرُ حَالِهِمْ الْمَصِيرُ إلَى الْكُفْرِ الْحَقِيقِيِّ، وَالِانْسِلَاخُ مِنْ الدِّينِ الْحَنِيفِيِّ. [1]

وقال ابن تيميّة- رحمه الله تعالى-:إِنَّ تَحْقِيقَ الشَّهَادَةِ بِالتَّوْحِيدِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُحِبَّ إلَّا لِلَّهِ وَلَا يُبْغِضَ إلَّا لِلَّهِ، وَلَا يُوَالِيَ إلَّا لِلَّهِ، وَلَا يُعَادِيَ إلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يُحِبَّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيُبْغِضَ مَا أَبْغَضَهُ وَيَأْمُرَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَيَنْهَى عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَأَنَّك لَا تَرْجُو إلَّا اللَّهَ وَلَا تَخَافُ إلَّا اللَّهَ وَلَا تَسْأَلُ إلَّا اللَّهَ وَهَذَا مِلَّةُ إبْرَاهِيمَ وَهَذَا الْإِسْلَامُ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ جَمِيعَ الْمُرْسَلِينَ. [2] .

وقال ابن كثير عند قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ ... (المائدة/ 57) :وَهَذَا تَنْفِيرٌ مِنْ مُوَالَاةِ أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، مِنَ الْكِتَابِيِّينَ وَالْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ أَفْضَلَ مَا يَعْمَلُهُ الْعَامِلُونَ، وَهِيَ شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ الْمُطَهَّرَةُ الْمُحْكَمَةُ المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي، يَتَّخِذُونَهَا {هُزُوًا وَلَعِبًا} يَسْتَهْزِئُونَ بِهَا، {وَلَعِبًا} يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا نَوْعٌ مِنَ اللَّعِبِ فِي نَظَرِهِمُ الْفَاسِدِ، وَفِكْرِهِمُ الْبَارِدِ [3] .

(1) - المغني لابن قدامة (9/ 25)

(2) - مجموع الفتاوى (8/ 337)

(3) - تفسير ابن كثير ت سلامة (3/ 140)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت