وثبت عن معاذ بن جبل (ت - 17هـ) رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «يا معاذ: أتدري ما حق الله على عباده؟» . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. يا معاذ: أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟» . قال: الله ورسوله أعلم. قال: «أن لا يعذبهم» [1] .
الأصل الثاني: هل يُسأل الله عزّ وجل بذلك الحق؟
والجواب عن هذا أن يقال: إن كان الحق الذي سأل به سببًا لإجابة السؤال حَسُن السؤال به، كالحق الذي يجب لعابديه وسائليه.
وأيضًا: فإن هذا الحق من الله لعباده أن لا يعذبهم، وأن يكرمهم: ليس في استحقاقهم له ما يكون سببًا لمطلوب هذا السائل، فإن هذا الذي استحق ما استحقه إنما هو بسبب ما يسره الله له من الإيمان والطاعة وليس في إكرام الله له ما يقضي بإجابة سؤال المسؤول بحقه.
فإن قيل: القصد هو شفاعة المتوسل به ودعاؤه: فيقال: هذا حق، وتوسل مشروع، كما سبق في التوسل بدعاء الرجل الصالح الحي، فيكون القصد صحيحًا إذا كان حيًا قادرًا، ويكون الإطلاق واللفظ خاطئًا بدعيًا.
وإن قيل: السبب هو محبتي لفلان محبة شرعية؛ لإيمانه بالله، وقربه منه.
فيقال مثل ما يقال في الأول: إن السبب شرعي، وهو داخل في التوسل المشروع لكن الإطلاق واللفظ خاطئ.
ثم يجب أن يفرق بين المحبة لله، والمحبة مع الله، فمن أحب مخلوقًا لطاعته لربه وقربه منه، فهذه محبة لله وفي الله، ومن أحب مخلوقًا كما يحب الخالق فقد جعله ندًا من دون الله، وهذه المحبة تضره ولا تنفعه [2] ، كما قال
(1) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه 6/58 كتاب الجهاد، باب اسم الفرس والحمار، ومسلم في صحيحه 1/59 كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، واللفظ له.
(2) انظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية ص101 - 110.