المقام التأكيد إشارة إلى هضم أنفسهم بالاعتراف بذنوبهم فقالوا مع علمهم بأن المخاطب عالم بكل شيء: {إننا} فأظهروا النون إبلاغًا في التأكيد {سمعنا مناديًا} أي من قبلك، وزاد في تفخيمه بذكر ما منه النداء مقيدًا بعد الإطلاق بقوله: {ينادي} قال محمد بن كعب القرظي: هو القرآن، ليس كلهم رأى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ولما كانت اللام تصلح للتعليل ومعنى «إلى» عبر بها فقيل: {للإيمان} ثم فسروه تفخيمًا له بقولهم: {أن آمنوا بربكم} ثم أخبر بمسارعتهم إلى الإجابة بقولهم: {فآمنا} أي عقب السماع. ثم أزالوا ما ربما يظن من ميلهم إلى ربوة الإعجاب بقولهم تصريحًا بما أفهمه التأكيد لمن علمه محيط: {ربنا فاغفر لنا ذنوبنا} أي التي أسلفناها قبل الإيمان بأن تقبل منا الإيمان فلا تزيغ قلوبنا، فيكون جابًّا لما قبله عندك كما كان جابًّا له في ظاهر الشرع، وكذا ما فرط منا بعد الإيمان ولو كان بغير توبة، وإليه الإشارة بقولهم: {وكفر عنا سيآتنا} أي بأن توفقنا بعد تشريفك لنا بالإيمان لاجتناب الكبائر بفعل الطاعات المكفرة للصغائر {وتوفنا مع الأبرار *} أي ليس لنا سيئات.
ولما كان الله سبحانه وتعالى هو المالك التام الملك، فهو ذو التصرف المطلق الذي لا يجب عليه شيء، ولا يقبح منه شيء؛ أشار إلى ذلك بقوله ملقنًا لهم مكررًا صفة الإحسان تنبيهًا على مزيد الابتهال والتضرع