فهرس الكتاب

الصفحة 718 من 1630

فالرسول إليهم بشرٌ من جنسهم، إذْ جرت حكمة الله أن يرسل إلى كل قومٍ رسولًا من جنسهم ليمكنهم الفهم عنه ومخاطبته، وهذا تسفيهٌ وتجهيل لمنطق المشركين {قُلْ كفى بالله شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي كفى اللهُ شاهدًا على صدقي {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} أي هو تعالى العالم بأحوال العباد وسيجازيهم عليها {وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد} أي من يهده الله إلى الحق فهو السعيد الرشيد {وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ} أي ومن يضلله الله عن الحق بسبب سوء اختياره فلن تجد لهم أنصارًا يعصمونهم من عذاب الله {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ} أي يُسحبون يوم القيامة على وجوههم تجرُّهم الزبانية من أرجلهم إلى جهنم كما يُفعل في الدنيا بمن يبالغ في هوانه وتعذيبه {عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا} أي يُحشرون حال كونهم عميًا وبكمًا وصمًا يعني فاقدي الحواس لا يرون ولا ينطقون ولا يسمعون ثم يردُّ الله إليهم أسماعهم وأبصارهم ونطقهم فيرون النار ويسمعون زفيرها وينطقون بما حكى الله عنهم، عن أنس

«قيل يا رسول الله: كيف يُحشر الناسُ على وجوههم؟ قال: الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم» {مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} أي مستقرهم ومقامهم في جهنم كلما سكن لهبها وخمدت نارها زدناهم نارًا ملتهبة ووهجًا وجمرًا {ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا وَقَالُواْ أَءِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} أي ذلك العذاب جزاء كفرهم بآيات الله وتكذيبهم بالبعث والنشور وقولهم أئذا أصبحنا عظامًا نخرة، وذرات متفتتة سنُخلق ونبعث مرة ثانية؟ وقد ردَّ تعالى عليهم بقوله {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض قَادِرٌ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} أي أولم ير هؤلاء المشركون أن الله العظيم الجليل الذي خلق هذا الكون الهائل بسماواته وأرضه قادرٌ على إعادة جسد الإِنسان بعد فنائه؟ فإن القادر على الإحياء قادر على الإِعادة بطريق الأحرى قال في البحر: نبَّههم تعالى على عظيم قدرته وباهر حكمته بقوله {أَوَلَمْ يَرَوْاْ} وهو استفهام إِنكارٍ وتوبيخ على استبعادهم الإِعادة، واحتجاجٌ عليهم بأنهم قد رأوا قدرة الله على خلق هذه الأجرام العظيمة التي بعضُ ما تحويه البشرُ، فكيف يقرون بخلق هذا المخلوق العظيم ثم ينكرون إعادته {وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لاَّ رَيْبَ فِيهِ} أي جعل لهؤلاء المشركين موعدًا محدَّدًا لموتهم وبعثهم، لا شك ولا ريب في مجيئه {فأبى الظالمون إِلاَّ كُفُورًا} أي أبى هؤلاء الكافرون الظالمون - مع وضوح الحق وسطوعه - إلا جحودًا وتماديًا في الكفر والضلال {قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي} أي قل يا محمد لهؤلاء المعاندين المكابرين، المقترحين للخوارق والمعجزات: لو كنتم تملكون خزائن رزق الله ونِعَمه التي أفاضها على العباد {إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنفاق} أي إذًا لبخلتم به وامتنعتم عن الإِنفاق خوفًا من نفادها {وَكَانَ الإنسان قَتُورًا} أي وكان الإِنسان شحيحًا مبالغًا في البخل قال ابن عباس {قَتُورًا} أي بخيلًا منوعًا وقال الزمخشري: ولقد بلغ هذا الوصف بالشُّحّ الغاية التي لا يبلغها الوهم. ثم ذكر تعالى أن كثرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت