فكان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فيهم فرقتين فقال بعضهم: نقتلهم، وقال بعضهم: لا، فأنزل الله {فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ} الآية فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إِنها طيبة تنفي الخَبث كما تنفي النار خبث الحديد» أخرجه الشيخان.
ب - يروى أن «الحارث بن يزيد» كان شديدًا على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فجاء مهاجرًا وهو يريد الإِسلام فلقيه «عياش بن أبي ربيعة» - والحارث يريد الإِسلام وعياش لا يشعر - فقتله فأنزل الله {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا ... } . الآية.
ج - عن ابن عباس قال: لحق المسلمون رجلًا في غنيمةٍ له فقال: السلام عليكم فقتلوه وأخذوا غنيمته فنزلت هذه الآية {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ ألقى إِلَيْكُمُ السلام لَسْتَ مُؤْمِنًا ... } الآية.
التفِسير: {فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ والله أَرْكَسَهُمْ بِمَا كسبوا} أي ما لكم أيها المؤمنون أصبحتم فرقتين في شأن المنافقين، بعضكم يقول نقتلهم وبعضكم يقول لا نقتلهم والحال أنهم منافقون والله نكَّسهم وردّهم إِلى الكفر بسبب النفاق والعصيان {أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله} أي أتريدون هداية من أضله الله، والاسفهام للإِنكار والتوبيخ في الموضعين والمعنى لا تختلفو في أمرهم ولا تظنوا فيهم الخير لأن الله حكم بضلالهم {وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} أي من يضلله الله فلن تجد له طريقًا إِلى الهدى والإِيمان {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً} أي تمنى هؤلاء المنافقون أن تكفروا مثلهم فتستوا أنتم وهم وتصبحوا جميعًا كفارًا {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حتى يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ الله} أي لا توالوا ولا تصادقوا منهم أحدًا حتى يؤمنوا ويحققوا إِيمانهم بالهجرة والجهاد في سبيل الله {فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} أي إِن أعرضوا عن الهجرة في سبيل الله فخذوهم أيها المؤمنون واقتلوهم حيث وجدتموهم في حلٍّ أو حرم {وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا} أي لا تستنصروهم ولا تستنصحوهم ولا تستعينوا بهم في الأمور ولو بذلوا لكم الولاية والنصرة {إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} أي إِلا الذين ينتهون ويلجأون إِلى قوم عاهدوكم فدخلوا فيهم بالحِلْف فحكمهم حكم أولئك في حقن دمائهم {أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ} وهذا استثناء أيضًا من القتل أي وإِلا الذين جاءكم وقد ضاقت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم فهم قوم ليسوا معكم ولا عليكم {وَلَوْ شَآءَ الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ} أي من لطفه بكم أن كفّهم عنكم ولو شاء لقوّاهم وجرّأهم عليكم فقاتلوكم {فَإِنِ اعتزلوكم فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} أي فإِن لم يتعرضوا لكم بقتال وانقادوا واستسلموا لكم فليس لكم أن تقاتلوهم طالما سالموكم {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ} أي ستجدون قومًا آخرين من المنافقين يريدون أن يأمنوكم بإِظهار الإِيمان ويأمنوا قومهم بإِظهار الكفر إِذا رجعوا إِليهم قال أبو السعود: هم قوم من «أسد وغطفان» كانوا إِذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا من المسلمين فإِذا رجعوا إِلى قومهم