مَآءً أي فلم تجدوا الماء الذي تتطهرون به {فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} أي اقصدوا عند عدم وجود الماء التراب الطاهر فتطهروا به وامسحوا وجوهكم وأيديكم بذلك التراب {إِنَّ الله كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} أي يرخّص ويسهّل على عباده لئلا يفعلوا في الحرج.
البَلاَغَة: تضمنت هذه الآيات من الفصاحة والبيان والبديع ما يلي:
1 -الإِطناب في قوله {نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبوا ... نَصِيبٌ مِّمَّا اكتسبن} وفي {حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ} وفي {والجار ذِي القربى والجار الجنب} .
2 -الاستعارة {مِّمَّا اكتسبوا} شبه استحقاقهم للإِرث وتملكهم له بالإِكتساب واشتق من لفظ الاكتساب اكتسبوا على طريقة الاستعارة التبعية.
3 -الكناية في {واهجروهن فِي المضاجع} فقد كنى بذلك عن الجماع وكذلك في {لاَمَسْتُمُ النسآء} قال ابن عباس معناه: جامعتم النساء كما كنى عن الحدث بالغائط في قوله {أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط} .
4 -صيغة المبالغة في {الرجال قَوَّامُونَ} لأن فعّال من صيغ المبالغة ومجيء الجملة إسمية لإِفادة الدوام والاستمرار.
5 -السؤال عن المعلوم لتوبيخ السامع في قوله {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا} يراد بها التقريع والتوبيخ.
6 -جناس الاشتقاق في {حَافِظَاتٌ ... حَفِظَ} وفي قوله {بِشَهِيدٍ ... . وَشَهِيدًا} .
7 -التعريض في {مُخْتَالًا فَخُورًا} عرّض بذلك إِلى ذم الكبر المؤدي لاحتقار الناس.
8 -الحذف في عدة مواضع مثل {وبالوالدين إِحْسَانًا} أي أحسنوا إلى الوالدين إحسانًا.
الفوَائِد: الأولى: لم يذكر الله تعالى في الآية إِلا «الإِصلاح» في قوله {إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحًا} ولم يذكر ما يقابله وهو التفريق وفي ذلك إِشارة لطيفة إِلى أنه ينبغي على الحكمين أن يبذلا جهدهما للإِصلا ح لأن في التفريق خراب البيوت وتشتيت الأولاد وذلك مما ينبغي أن يجتنب.
الثانية: ختم تعالى الآية بهذين الإِسمين العظيمين {إِنَّ الله كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} وذلك لتهديد الأزواج عند التعسف في استعمال الحق فكأن الآية تقول: لا تغتروا بكونكم أعلى يدًا منهن وأكبر درجة منهن فإِن الله عليٌّ قاهر ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن، فالله أعلى منكم وأقدر عليكم منكم عليهن فاحذروا عقابه.
الثالثة: روى البخاري «عن عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إِقرأ عليًّ القرآن فقلت يا رسول الله: اقرأ عليك وعليك أُنزل؟ قال: نعم فإِني أحب أن أسمعه من غيري!! فقرأت سورة النساء حتى أتيت إِلى هذه الآية {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيدًا} فقال: حسبك الآن فنظرت فإِذا عيناه تذرفان» .
تنبيه: ورد النظم الكريم {بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ} ولو قال: بتفضيلهم عليهن لكان أخضر وأوجز ولكنَّ التعبير ورد بتلك الصيغة لحكمة جليلة وهي إِفادة أن المرأة من الرجل بمنزلة