عملهم، وتندُّمٌ عليه وتحسر، قال تعالى ردًا عليهم وموبخًا لهم: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} أي أولم نترككم ونمهلكم في الدنيا عمرًا مديدًا يكفي لأن يتذكر فيه من يريد التذكر والتفكر؟ فماذا صنعتم في هذه المدة التي عشتموها؟ وما لكم تطلبون عُمرًا آخر؟ وفي الحديث
«أَغْذَرَ الله إلى امْرِىءٍ أَخَّرَ أجَلَهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً» ومعنى «أعذر» أي بلغ به أقصى العذر {وَجَآءَكُمُ النذير} أي وجاءكم الرسول المنذر وهو محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الذي بُعث بين يدي الساعة، وقيل: {النذير} هو الشيبُ والأول أظهر {فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} أي فذوقوا العذاب يا معشر الكافرين، فليس لكم اليوم ناصر ولا معين يدفع عنكم عذاب الله، قال الإمام الفخر: والأمرُ أمرُ إهانة {فَذُوقُواْ} وفيه إشارة إلى الدوام، وإنما وضعَ الظاهر {لِلظَّالِمِينَ} موضع الضمير «لكلم» لتسجيل الظلم عليهم، وأنهم بكفرهم وظلمهم ليس لهم نصيرٌ أصلًا لا من الله ولا من العباد، ثم قال تعالى: {إِنَّ الله عَالِمُ غَيْبِ السماوات والأرض} أي هو تعالى العالم الذي أحاط علمه بكل ما خفي في الكون من غيب السموات والأرض، لا يخفى عليه شأن من شؤونهما {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} أي يعلم جل وعلا مضمرات الصدرو، وما تخفيه من الهواجس والوساوس، فكيف لا يعلم أعمالهم الظاهرة؟ قال المفسرون: والجملة لتأكيد ما سبق من دوام عذاب الكفار في النار، لأن الله تعالى يعلم من الكافر أنه تمكَّن الكفر في قلبه بحيث لو دام في الدنيا إلى الأبد ما آمن بالله ولا عبَده، فالعذابُ الأبديُّ مساوٍ لكفرهم الأبدي، فلا ظلم ولا زيادة {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49] ، قال القرطبي: والمعنى في الآية علم أنه لو ردكم إلى الدنيا لم تعملوا صالحًا كما قال تعالى: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} [الأَنعام: 28] {هُوَ الذي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأرض} أي هو تعالى جعلكم أيها الناس خلائف في الأرض، بعد عاد وثموج ومن مضى قبلكم من الأمم، تخلفونهم في مساكنهم جيلًا بعد جيل، وقرنًا بعد قرن {فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ} أي فمن كفر بالله فعليه وبال كفره، لا يضر بذلك إلا نفسه {وَلاَ يَزِيدُ الكافرين كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتًا} أي ولا يزيدهم كفرهم إلا طردًا من رحمة الله وبعدًا وبغضًا شديدًا من الله {وَلاَ يَزِيدُ الكافرين كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَارًا} أي ولا يزيدهم كفرهم إلا هلاكًا وضلالًا وخسران العمر الذي ما بعده شر وخسار! ، قال أبو حيان: وفي الأية تنبيه على أنه تعالى استخلفهم بدل من كان قبلهم، فلم يتعظوا بحال مَن تقدمهم من المذكذبين للرسل ما حلَّ بهم من الهلاك، ولا اعتبروا بمن كفر، ولا اتعظوا بمن تقدم، والمقتُ أشد الاحتقار والبغض، والخسارُ خسارُ العمر، كأنَّ العمر رأس مال الإِنسان فإذا انقضى في غير طاعة الله فقد خسره، واستعاض به بدل الربح سخط