فهرس الكتاب

الصفحة 1003 من 1630

عجيب، وصنعٌ بديع، وأن شأنًا جليلةً مناسبةً إِلى حضرة الربوبية {وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة} أي وخلق لكم هذه الحواس: السمع لتسمعوا به الأصوات، والبصر لتبصروا به الأشخاص، والعقل لتدركوا به الحق والهدى {قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ} أي قليلًا شكركم لربكم و {مَّا} لتأكيد القلة {وقالوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض} أي وقال كفار مكة المنكرون للبعث والنشور: أئذا هلكنا وصارت عظامنا ولحومنا ترابًا مختلطًا بتراب الأرض حتى غابت فيه ولم تتميز عنه {أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} أي سوف نخلق بعد ذلك خلقًا جديدًا، ونعود إِلى الحياة مرةً ثانية؟ وهو استبعادٌ للبعث مع الاستهزاء ولهذا قال تعالى {بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} أي بل هناك ما هو أبلغ وأشنع من الاستهزاء، وهو كفرهم وجحودهم بلقاء الله في دار الجزاء {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الموت الذي وُكِّلَ بِكُمْ} أي قل لهم ردًا على مزاعمهم الباطلة: يتوفاكم ملك الموت الذي وكّل بقبض أرواحكم هو وأعوانه {ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} أي ثم مرجعكم إِلى الله يوم القيامة للحساب والجزاء قال ابن كثير: والظاهر أنَّ ملك الموت شخص معين، وقد سُمي في بعض الآثار ب «عزرائيل» وهو المشهور، وله أعوان - كما ورد في الحديث - ينتزعون الأرواح من سائر الجسد، حتى إِذا بلغت الحلقوم تناولها ملك الموت وقال مجاهد: جُمِعت له الأرض فجعلت مثل الطست يتناول منها حيث يشاء، ثم أخبر تعالى بحال المجرمين يوم القيامة وما لهم فيه من الذل والهوان فقال {وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ} أي ولو ترى أيها المخاطب حال المجرمين يوم القيامة وهم مطرقو رءوسهم أمام ربهم من الخجل والحياء لرأيت العجب العجاب قال أبو السعود: وجواب {لَوْ} محذوفٌ تقديره لرأيت أمرًا فظيعًا لا يُقادر قدره من هوله وفظاعته {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا} أي يقولون ربنا أبصرنا حقيقة الأمر وسمعنا ما كنا ننكر من أمر الرسل، وكنا عُميًا وصمًا {فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحًا} أي فردنا إِلى دار الدنيا لنعمل صالحًا {إِنَّا مُوقِنُونَ} أي فنحن الآن مصدّقون تصديقًا جازمًا، وموقنون أن وعدك حق، ولقاءك حق قال الطبري: أي فنحن الآن بوحدانيتك، وأنه لا يصلح أن يُعبد سواك، ولا ينبغي أن يكون رب سواك، وأنك تحيي وتميت وتفعل ما تشاء، قال تعالى ردًا عليهم {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} أي لو أردنا هداية جميع الخلق لفعلنا ولكنَّ ذلك ينافي حكمتنا، لأنا نريد منهم الإِيمان بطريق الاختيار، لا بطريق الإِكراه والإِجبار {ولكن حَقَّ القول مِنِّي} أي ولكن ثبت ووجب قولي بعذاب المجرمين، وتقرر وعيدي {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ} أي لأملأنَّ جهنم بالعصاة من الجِنّ والإِنس جميعًا {فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هاذآ} أي يقال لأهل النار على سبيل التقريع والتوبيخ: ذوقوا - بسبب نسيانكم الدار الآخرة وانهماككم في الشهوات - هذا العذاب المخزي الأليم {إِنَّا نَسِينَاكُمْ} أي نترككم اليوم في العذاب كما تركتم العمل بآياتنا {وَذُوقُواْ عَذَابَ الخلد بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي وذوقوا العذاب الدائم الخالد في جهنم بسبب كفركم وتكذيبكم، ثم لما ذكر حال الأشقياء وعاقبتهم الوخيمة، أبتعه بذكر حال السعداء وما أعدَّه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت