"من المتواتر أن أبا بكر لم يطلب الخلافة برغبة ولا برهبة , فلا بذل فيها مالًا , ولا شهر عليها سيفًا , ولا كانت له عشيرة ضخمة , ولا عدد من الموالي تقوم بنصرة , كما جرت عادة طلاب الملك , بل ولا قال بايعوني وإنما أشار ببيعة عمر أو بيعة أبي عبيدة ثم من تخلف عن مبايعته لم يؤذه , ولا أكرهه عليها , ثم الذين بايعوه طائعين هم الذين بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت الشجرة , الذين رضي الله عنهم , فقاتل بهم المرتدين وفارس والروم , وثبَّت الإسلام وأهله , ولا أكل منها ولا لبس إلا كعادته وعيشه , فلما جاءه اليقين , خرج منها أزهد مما دخل فيها , لم يستأثر منها بشيء عنهم ولا آثر بها قرابته , بل نظر إلى أفضلهم في نفسه , - يعني: عمر - فولاه عليهم فأطاعوه كلهم , ففتح الأمصار , وقهر الكفار , وأذل أهل النفاق وبسط العدل ووضع الديوان والعطاء لازمًا لعيش من قبله في مأكله ومشربه وملبسه , حتى خرج شهيدا لم يتلوث لهم المال ولا ولى أحدًا من أقاربه ولاية , هذا أمر يعرفه من يعرف وينصف ثم بايعوا عثمان كلهم طوعًا منهم , فسار وبنى على أمر قد استقر قبله بسكينة وحلم وهدى ورحمة وكرم ولين (8) "ا هـ . المقصود من كلامه - رحمه الله - .
وعلى ما في"نهج البلاغة"وما قرره الدكتور يعد عمل الصحابة هذا كله خطأ، حيث عدلوا بالخلافة عمن يستحقها وأهلها إلى من لا يستحقها وليس لها بأهل، فيلزم عليه أن الأمة اجتمعت على ضلالة , عياذًا بالله من الكلام الذي لا تقدر عواقبه ونتائجه ومستلزماته .
ولست أدري ما هي أوثق كتب السنة التي يزعم الدكتور أن من تتبعها أدرك المرارة التي كان يحسها علي رضي الله عنه , لحرمانه من الخلافة، فقد كان يرى نفسه أحق بها وأهلها ؟