وإن أراد أن الليلة المعينة التي أسري فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم، وحصل له فيها ما لم يحصل له في غيرها، من غير أن يشرع تخصيصها بقيام وعبادة، فهذا صحيح، وليس إذا أعطى الله نبيه صلى الله عليه وسلم فضيلة في مكان أو زمان يجب أن يكون ذلك الزمان والمكان أفضل من جميع الأمكنة والأزمنة، هذا إذا قدر أنه قام دليل على أن إنعام الله تعالى على نبيه ليلة الإسراء كان أعظم من إنعامه عليه بإنزال القرآن ليلة القدر، وغير ذلك من النعم التي أنعم عليه بها .
والكلام في مثل هذا يحتاج إلى علم بحقائق الأمور، ومقادير النعم التي لا تعرف إلا بوحي، ولا يجوز لأحد أن يتكلم فيها بلا علم، ولا يعرف عن أحد من المسلمين أنه جعل لليلة الإسراء فضيلة على غيرها، لاسيما على ليلة القدر، ولا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يقصدون تخصيص ليلة الإسراء بأمر من الأمور ولا يذكرونها، ولهذا لا يعرف أي ليلة كانت، وإن كان الإسراء من أعظم فضائله صلى الله عليه وسلم، ومع هذا، فلم يشرع تخصيص ذلك الزمان ولا ذلك المكان بعبادة شرعية، بل غار حراء الذي ابتدء فيه بنزول الوحي , وكان يتحراه قبل النبوة لم يقصده هو ولا واحد من أصحابه بعد النبوة مدة مقامه بمكة ولا خص اليوم الذي أنزل فيه الوحي ولا الزمان بشيء .
ومن خص الأمكنة والأزمنة من عندة بعبادات لأجل هذا وأمثاله؛ كان من جنس أهل الكتاب , الذين جعلوا زمان أحوال المسيح مواسم وعبادات؛ كيوم الميلاد , ويوم التعميد , وغير ذلك من أحواله .
وقد رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه جماعة يتبادرون مكانًا يصلون فيه , فقال: ما هذا ؟ قالوا: مكان صلى فيه رسول الله عليه وسلم . فقال: أتريدون أن تتخذوا أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؛ إنما هلك من كان قبلكم بهذا , فمن أدركته الصلاة فيه , فليصل , وإلا؛ فليمض . . .
وقد قال بعض الناس: أن ليلة الإسراء"إلخ"