صاحبُ الخُلُق الحسن مؤمنٌ برحمة ربه وعدله فيما قسم من حظوظ، وما وزّع من مواهب؛ فهو يُمسِي ويُصبِح سليمَ الصدر، نقيَّ الفؤاد، يدعو بدعاء الصالحين: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10] .
يستقبل يومه ويختمه: «اللهمَّ ما أصبح بي من نعمة أو بأحدٍ من خلقِكَ فمِنكَ وحدَكَ لا شريكَ لك؛ فلك الحمدُ ولك الشكر» ، يأخذ بالرحمة، ويدفع بالحسنى، يأمر بالمستطاع، ولا يكلف ما لا يُطاق.
وتأمَّلُوا هذه الجميلات الثلاث: الصبرُ الجميلُ، والصفحُ الجميلُ، والهجرُ الجميلُ، ولا تكون هذه الجميلات إلا لذي الخُلُق الجميل.
يقول ابن عمر - رضي الله عنهما: «البرُّ شيءٌ هيِّن: وجهٌ طليقٌ وكلامٌ ليِّن» ، ويقول عروة بن الزبير: «رُبَّ كلمة ذُلٍّ احتملتُهَا أورَثَتْني عزًّا لا يُطاول» .
ويقول الأبشيهي: «يُستدَلُّ على رجَاحةِ عقل الرجلِ بمَيْلِه إلى محاسنِ الأخلاق، وإعراضِهِ عن رذائل الأعمال، ورغبته في إسداء صنائع المعروف، وتجنُّبه ما يكسِبُه عارًا، أو يُورثه سوءَ سُمعة» .
وبعد - رحمكم الله:
فالأخلاق مِلاكُ الفرد، وقوامُ المجتمع السعيد، يُبقِي المجتمع راقيًا ما بقِيَت، ويذهب فانيًا ما ذهبت، وما الأمم إلا أخلاقها، وما الأقوام إلا بزاكي فعالها.
حُسْنُ الخلق يجعل المُرَّ حلوًا، ويحول التراب تِبرًا، والكدر صفوًا، والسقم نعمة، والشدة رحمةً، والعدو صديقًا، حُسنُ الخُلُق يُلين الحديد، ويُذِيبُ الحجر، ويبعث في النفوس الحياة، حُسْنُ الخلق - بإذن الله - هو الذي يبسط الرضا، وينشر الأمن، والصادقُ في خُلُقه هو من خَالَطَت قلبَهُ بشاشةُ الإيمان.