الخطبة الأولى
الحمد لله القائم على النفوس بآجالها، العالم بتقلُّباتها وأحوالها، أجرى على الخلق ما شاء بقدرته ومشيئته، ونفَذَت فيهم أحكامه بتقديره وإرادته، أحمده - سبحانه - وأشكره على سوابغ فضله، وجزيل نعمته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا مُعقِّب لحكمه ولا مُنتهَى لحكمته، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد االله ورسوله، بَعَثَه على حين فترةٍ من الرسل ودروسٍ من السبل فرَحِمَ العالمين ببعثته، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى أصحابه وعترته والتابعين ومن تَبِعَهم بإحسان، وسارَ على منهاجه وسنَّته، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله - عز وجل -، فاتقوا الله - رحمكم الله -، الزَموا التقوى بينكم وبين الله، والزَموا المجاهدة بينكم وبين أنفسكم، والزَموا التواضع بينكم وبين الناس، والزَموا الزهد بينكم وبين الدنيا، واعلموا أن الرحمة بالخلق باب الرحمة من الخالق، فالراحمون يرحمهم الرحمن، وتزيَّنوا للعرض الأكبر: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ} [الحاقة: 18] ؛ فقد خفَّ الحسابَ في الآخرة على من حاسَبُوا أنفسهم في الدنيا، وثقُلَت موازين قومٍ في الآخرة، وزِنُوا أنفسهم في الدنيا، ومُحاسَبة النفس - رحمكم الله - تكون بالورع والتزيُّن للعرض الأكبر بخشية ملكِ الملوك لا إله إلا هو.
أيها المسلمون: