وكم من نفوس إذا تجرَّدَت من الأخلاق من قُدُرات على الزور المُموّه، والباطل المُزيّن، والفساد المصبوغ بصبغةِ الصلاح، هذا هو شأنُ الأحكام والقوانين والنظم المجرَّدة، إذن فلا بد ثم لا بد للإنسان من التديُّن والأخلاق: «إذَا جاءَكُمْ مَنْ ترضَوْنَ دينَهُ وخُلقَهُ فزوِّجُوه إلا تفْعلُوا تكُنْ فتنةٌ في الأرضِ وفسادٍ كبِير» ؛ أخرجه الترمذي بإسنادٍ حسنٍ. وبدون الدين لا تكون الأخلاق، وبدون الأخلاق لا يكون قانونٌ، ولا نظامٌ، ولا أحكامٌ.
معاشر الأحبة:
إذا كان الأمر كذلك؛ فإن مجامع الأخلاق ومحاسنها: الحياء، ونفع الناس، والصدق، والجد في العمل، واتقاء الأخطاء، واتقاء فضول القول والعمل، والبر، والوفاء، والصبر، والشجاعة، والإحسان، والشكر، والحلم، والعدل، والعفاف، والشفقة، وعفة اللسان والنفس، وسلامة الصدر والتسامح، وكرم اليد والنفس، والأناة، والرحمة، والتعاطف، والإنصاف من النفس، ومواساة الإخوان، أما التوسُّط والوسطية فمنشأُ جميعِ الأخلاق.
معاشر الإخوة:
حَسَنُ الخلق عفوٌّ كريمٌ، يكظِمُ غيظَه وهو قادرٌ على إمضائِه، ويعفُو وهو قادرٌ على الانتقام، يتسامَح وهو صاحبُ حقٍّ، لا يشغَل نفسَه بالخِصَام والعداوات؛ فالعمرُ عنده أعزُّ، والحياةُ لديه أغلى، والأُخُوَّةُ أثمَن.
حَسَنُ الخُلُق يُجسِّدُ الأُخُوَّة في الدين، والمشاركة في المُثُل العُلْيا، حَسَنُ الخُلُق سعيدٌ بنفسه وأهله، يدخل السرور على المحزون، ويمسح الدمع عن الباكي، وينير السبيل للحيران، ويهدي الضال، تعلوه بسمةٌ رقيقة، ويدٌ حانية، وقلبٌ شفوق، النفس الكريمة الخلوق، ترقع الفُتُوق، وتُكمل بخلقها النقائص، ويُشرِق نبلها من داخلها، فتُحسِنُ التصرُّف والمسير وسط دياجير الظلمات وتقلُّبَات الأعاصير.