بل قال أهل العلم: «الدين كله خُلُق، فمَن زادَ عليك في الخُلُق زادَ عليك في الدين» ، الدينُ هو الذي يرسُمُ قواعدَ الأخلاق، ويُحدِّد معالمها، ويضبِطُ مقاييسها، ويُمجِّدُ مكارمَها.
والأخلاقُ من غير دينٍ عَبَثٌ؛ فالدينُ والأخلاقُ صِنوان لا ينفصلان، وقد صحَّت الأخبارُ عن المصطفى المختار سيدنا ونبينا محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنَّ أحبَّ عبادِ اللهِ إلى اللهِ أحسنهُم خُلُقًا» ، و «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقًا» ، و «َخَيرُ مَا أُعْطِي الإنْسانُ خُلُقٌ حَسَن» ، والأقربُ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة منه مجلسًا أحسنهم خُلُقًا: «وما من شيءٍ أثقلُ في ميزَانِ المؤمن يومَ القِيامةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَن» ، و «البرُّ حسنُ الخلُق» ، وكرم المؤمن دينه، ومروءتُه عقلُه، وحَسَبُه خُلُقُه.
ولكي تتجلَّى لكم - أيها المسلمون - منزلةُ الأخلاق وأثرُها في ضبط السلوك ودورها في استقرار المجتمع، انظروا إلى الأحكام والقوانين، فعلى الرغم مما عُلِم وعُرِف من أهميتها وضرورتها - أي: الأحكام والقوانين - لتنظيم شئون الناس، وإحقاق الحق، ورفع التظالم، ولكنها لا تستقلُّ وحدها بضبط مسالك البشر؛ لأن الأحكام والقوانين مهما كان حزمها وصرامتها، ودقة تطبيقها، فسلطانُها على الظاهر لا على الباطن، وهي في العلاقات العامة دون الخاصة، وهي تُعاقِبُ المسيء لكنها لا تُثِيبُ المُحسِن، والتحايُل عليها يسير، وتطويعُ نصوصها والالتفافُ عليها مُستطَاع، والهروبُ من جزائها غيرُ عسيرٍ، وفي هذا كلّه مع أنها مؤيَّدة بقوة السلطان ووازِعِ الحكَّام.