الخائفون: عبادٌ صالحون خاشعون وَجِلون مُخبِتون, يجاهدون أنفسهم, ويعظون بأفعالهم, يفيقون من غفلتهم إذا غفلوا, ويستيقظون من رقدتهم إذا رقدوا, ويغذّون السير, ويجدّون في العمل, رجاء أن يدركوا من سبقهم.
من تأمل كل ذلك - عباد الله - علم أحوال القوم, وما كانوا عليه من الخوف والخشية والرهبة والهيبة والإخبات والإنابة, وما ترقّوا في تلك المقامات العاليات, إلا بالاجتهاد في الطاعات والفرار من المكروهات, فضلًا عن المحرمات، {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور: 37، 38] ، {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} [الإنسان: 9 - 11] .
وبعد - عباد الله - فإن من خاف الله لم يضره أحد, ومن خاف غير الله لم ينفعه أحد, وإذا سكن الخوف القلب, أحرق مواضع الشهوات, والدمعة من خشية الله تُطفِئُ أمثال البحور من النار.
فاتقوا الله - رحمكم الله - ولا تكونوا ممن قادَتهم شهواتهم, وغلَبَت عليهم شقوتهم, فلا سير الخائفين تُحفِّزهم, ولا خطر سوء الخاتمة يُزعِجُهم, فسيروا - رحمكم الله - سِيروا إلى الله سيرًا جميلًا, واذكروا الله ذكرًا كثيرًا, وسبِّحوه بكرةً وأصيلًا, واستغفروا ثم استغفروا, واندموا على تفريطكم ندمًا طويلًا.
والخوف سائق, والرجاء قائد, والله هو الموصل بمنّه وكرمه.
اللهُم إنا نعوذ بك من زيغ القلوب, وتبِعَات الذنوب, ومُردِيات الأعمال, ومُضِلَّات الفتن.