القلوب - تقبَّل الله منكم - لا تَحْيَى إلا بالخوف من الله, فهو الذي إلى الخير يسوقها, ومن الشر يُحذِّرها, وإلى العلم والعمل يدفعها, بالخوف تكف الجوارح عن المعاصي, وتستقيم على الطاعات, ويسلم المرء من الأهواء والشهوات, بالخوف يحصل للقلب خشوعٌ وذِلَّة واستكانة وانقياد وتواضع لله رب العالمين، ينشغل بالمراقبة والمحاسبة, وقد قال رب العزة: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [النحل: 51] .
الخوف يُثيرُ دوام ذكر الله, وصلاح العمل, والمسابقة إلى الخيرات, والزهد في الدنيا, والرغبة في الآخرة, ويمنع الكبر والعُجْب والخُيَلاء، بالخوف ينتفع القلب بالنُّذُر والمواعظ والزواجر، {اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء} [الزمر: 23] ، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2] .
معاشر الإخوة:
والخوف المقصود: هو اضطراب القلب وقلقه وانزعاجه لما يتوقَّعه ويخشاه من عقوبة الله, على فعل محرم, أو ترك واجب, أو التقصير في جنب الله, والإشفاق من عدم القبول.
والخوف المحمود ما قاد على العمل الصالح, وحجز عن المحارم ظاهرًا وباطنًا, وحمل على أداء الفرائض, المسارعة إلى الخيرات, فإن زادت شدّة, بأن أورثت مرضًا, أو همًّا لازمًا, بحيث ينقطع عن العمل, أو يدخل في دائرة اليأس والقنوط، فهو خوفٌ مذمومٌ غير محمود.